حلم هوزان - عبدالقادر محمد - اتحاد كتاب كوردستان

728x90 AdSpace

شائع
الثلاثاء، 10 فبراير 2026

حلم هوزان - عبدالقادر محمد

 حلم هوزان - عبدالقادر محمد

 


على أطراف مدينة سري كانيه الحدودية، المعروفة بهدوئها وجمالها الطبيعي ولطف أهلها، كان يقع منزل الأستاذ محمد، الذي اشتهر بتعليم اللغة العربية لجميع أطفال المنطقة وبأخلاقه الحميدة

كانت عائلة الأستاذ  تتكون من أب وأم وولدين توأم، هوزان وجوان. شاء القدر أن يكون هوزان أعمى منذ ولادته، بينما كان شقيقه يتمتع بصحة جيدة.

لم يهدأ بال والده  أخذه إلى أكفأ الأطباء في العاصمة دمشق، ولكن دون جدوى. من طبيب إلى آخر، لم يتمكن أحد من تفسير السبب أو إيجاد علاج. بقيت الحال على ما هي عليه عشر سنوات، وقلب الأب يتمزق ألمًا على ابنه

ورغم فقره لم يتوقف عن المحاولة غير أن ضيق ذات اليد منعه من السفر بابنه إلى الخارج  و في أحد الأيام، بينما كان والد هوزان يلعب الورق مع صديقه في المقهى

قال "يا أبا هوزان، ألم تسمع أن وفدًا أجنبيًا و يرافقه أحد أكفأ أطباء العيون، سيصل إلى العاصمة بعد عشرة أيام؟ لماذا لا تعرض هوزان عليهم؟

لم يصدق والد هوزان الخبر، فكر قائلًا في نفسه أخيرا سيعيد أحدهم بصر ابني هل أنت متأكد؟" أجاب نعم أنا متأكد شكر صديقه والدموع تملأ عينيه غادر المقهى مسرعا وعاد ليقول  لزوجته

استعدت العائلة للرحلة وفي الموعد المحدد جلسوا في قاعة الانتظار وقلوبهم تنبض

 بالأمل وبعد طول انتظار نادت الممرضة ادخلوا وبعد فحص طبي أخذ الطبيب والده جانبا وقال بصوت مفعم بالأسف  لا أستطيع مساعدتك يا سيدي لقد مات العصب البصري لابنك وضمُر تمامًا. لو كان ذلك قبل بضع سنوات، لكان بإمكاني أن أفعل شيئا أما الآن فلا أمل في شفائه

تغير وجه الأستاذ  ولم ينطق بكلمة لكنه كان يحمل في قلبه ألف كلمة أمسك بيد ابنه وزوجته، وعادوا إلى المنزل لكن فرحتهم لم تعد معهم

كرس حياته لابنه، فدرسه في المنزل ليحميه من التنمر علّمه مختلف العلوم

تأقلموا مع واقعهم، حتى بلغ هوزان وجوان العشرين يعيشان بسلام، قبل أن يفاجئ مدينتهم هجوم وحشي في صباح هادئ

خرج الناس إلى الشوارع يبحثون عن تفسير فيما كانت أصداء القصف العشوائي تتردد في كل أرجائها

خرج الاستاذ ليستفسر عما يحدث فسمع من الأهالي تفاصيل المأساة وبين دوي قذائف الهاون والمدفعية الثقيلة لم تمر سوى لحظات حتى أطبقت الطائرات الحربية  تقصفها عشوائيا وكأنها تصب جام غضبها على هذه المدينة الجميلة وأهلها الأبرياء انتشر الخبر أن دولة الاحتلال التركي شنت هجوما على المدينة

عاد وأخبرهم بما يتناقله الناس. خيم الصمت والحزن على الوجوه، لكن صوت القصف كان أعلى وأقسى من صمتهم وحزنهم استمر القصف وفي اليوم التالي المشؤوم سقطت إحدى قذائف الهاون على منزل الأستاذ فأصابته إصابة مباشرة في رجله

بينما خيم الرعب على الجميع بدا المشهد أشبه بفيلم رعب هرع جوان إلى السيارة لينقل والده إلى المستشفى ودمه يتساقط من بين يديه فيما كان صراخ

والدته يعلو في الأرجاء هز هذا المشهد جوان واثر فيه بشدة غير أنه لم يكن يملك حيلة ولا يستطيع فعل شيء

قال الأطباء إنهم مضطرون لبتر أرجل والده لأن أنسجتها ممزقة بالكامل وسيظل مقعدًا على كرسي متحرك بقية حياته عند سماع ذلك انفجر جوان بالبكاء

كان ذلك  لحظة فاصلة في حياة جوان قرر التطوع وحمل السلاح دفاعا عن عائلته وأحبائه

عاد وقال لوالدته استعدي سنذهب إلى الحسكة أحضري معك جميع لوازم السفر فسآخذكم إليها ثم أعود للقتال مع رفاقي

قالت كيف ذلك يا بني؟ كما ترى والدك بات معاقًا وأخوك كفيف ويحتاج إلى رعاية

فأجابها لهذا السبب قررت ثم قال أحيانا يتوجب علينا أن نضحي من أجل ما نحب

قالت بنبرة مستسلمة كما تشاء

أخذهم إلى الحسكة، ثم عاد مدافعًا عن شرفه وأرضه. لكنه لم يمكث طويلا فبعد أيام قليلة وصل خبر استشهاده إلى عائلته

قال والده: "أنا فخور به  أما والدته فانفطر قلبها عليه لكنها كانت دائما تتذكر كلماته: "أحيانا يتوجب علينا أن نضحي من أجل ما نحب

 فتجد في ترديدها بعض السلوى

بعد أشهر من التهجير واستقرارهم في المخيم، كانت تصلهم يوميا أخبار الفظائع من مدينتهم. وفي أحد المساءات، قال الأستاذ أثناء العشاء: يجب أن نزوج هوزان لينجب ولدا يعينه ويحمل مشعل الدفاع عن الأرض والكرامة بعدنا.

نظرت إليه زوجته طويلا ثم قالت نحن نازحون وفقراء وابننا أعمى يحتاج إلى من يرعاه لا فتاة ستقبل بوضعه

صمت الأستاذ للحظة ثم قال

'لكن ربما هناك من ترى النور في قلبه، لا في عينيه

  ابحثي عن فتاة ضعيفة ونازحة مثله أنا متأكد أن هناك العديد من الفتيات الصالحات يبحثن عن السترة

 قالت كما تشاء

حاولت الأم البحث عن فتاة ضعيفة ونازحة مثله لكن الواقع يصدمهم .جميع الفتيات يرفضن الزواج من رجل أعمى بسبب المرض والفقر

رغم إعاقته، كان هوزان ذكيا ووسيما واثقا بنفسه لكن المجتمع لم يره إلا كفيفا فقيرا رفضته الفتيات مرارا فشعر بمرارة الرفض لكنه لم يستسلم، بل تحدى إعاقته لم يسمح لليأس أن يستوطن قلبه، بل أشعل في داخله نار التحدي أراد أن يثبت للجميع أن العجز لا يقاس بالبصر بل بالعزيمة. وبدأ بخياطة الملابس في المخيم حتى ذاع صيته وأصبح قدوة لكل من ظن أن العجز نهاية الطريق يقولون شاب أعمى يخيط الملابس بمهارة، وبأسعار زهيدة

ذات يوم جاءت فتاة فقيرة تحمل فستانا ممزقا وحين لامست يداه يديها شعر كلاهما بإحساس مختلف. كان الفستان لا يصلح للترقيع، لكنه قال لها عودي بعد غد عادت وقالت اعرف أنك لم تصلحه… لكنك منحتني الأمل حين قلت  عودي بعد غد

ابتسم وقد شعر بصدقها، ثم سألها بلطف:

 ما اسمك؟

أجابت:

 اسمي ايلاف

ترددت قليلا ثم تابعت:

أنا أراك بعين قلبي، لا بعيني سمعت عنك كثيرا ...عن صبرك وقوة إرادتك وعن خياطتك التي يتحدث عنها الجميع

ارتبك هوزان، لأول مرة يعجز عن الكلام. كانت كلماتها كالمطر يغسل جراحه القديمة

مع الأيام تقربت إيلاف منه، ولم تأت شفقة بل إعجابا حقيقيا وحين سألتها أم هوزان إن كانت تعلم أنه كفيف، ابتسمت وقالت: 'إنه يرى بقلبه، لا بعينه. وبعد أشهر تم زواجهما في خيمة بسيطة، وكانت لحظة انتصار، لا لأنه تزوج فحسب بل لأنه أثبت أن الإعاقة لا تمنع من الحب والحياة واصبح زواجهما رمزا أن الحب يولد حتى في أعتى الظروف، وأن النور الحقيقي يسكن القلوب لا العيون

بعد فترة أنجبت إيلاف ولدًا وسيما ، لكن قلبي الأستاذ  وزوجته كانا مثقلين بالحزن العميق لغياب عمه الشهيد جوان في مثل هذا اليوم المميز. وفاءً لأخيه سماه "جوان"

اقتربت إيلاف من زوجها حاملةً جوان الصغير بين ذراعيها قبله هوزان واحتضنه بشدة، والدموع تنهمر على خديه. ثم همس في أذنه  قاتل العدو يا بني. استرد أرضك وأرض آبائك، حقك لن يضيع، فأنت صاحب الحق وليس العدو.

 


حلم هوزان - عبدالقادر محمد Reviewed by Yekîtiya Nivîskarên Kurdistana Sûriya on فبراير 10, 2026 Rating: 5   حلم هوزان  - عبدالقادر محمد   على أطراف مدينة سري كانيه الحدودية، المعروفة بهدوئها وجمالها الطبيعي ولطف أهلها، كان يقع منزل الأستاذ ...

ليست هناك تعليقات: