الأصل التَّاريخي لبعض المفاهيم والمصطلحات.
نايف جبيرو
Pênûsa Azad 24
في لغات معظم الشُّعوب
والأقوام وجِدَت بعض المصطلحات والمفاهيم, حازت مع مرور الزَّمن وكأنَّها جزءٌ
أصيل من تلك الُّلغة, وبعض المفاهيم الأخرى كالأرقام مثلاً حازت على صفة القداسة
والأسرار المبهمة, والبعض الآخر من المصطلحات والمفاهيم المبهمة يفسِّرها كلَّ
فريقٍ كما يحلوا لهم أو يتَّفق مع ذهنيَّة الاستلاء والسيطرة التي يتميَّزون بها
عندما يغتصبون حقوق الشُّعوب الأخرى في كلِّ شيء. إنَّ التَّاريخ كخزَّان لا تضيع
منه أيَّة شائبة, يعطيك الجواب الصَّائب عند الغور في الأزمنة البعيدة, أو عند
إزالة الأتربة السَّميكة عن الحقيقة المخفيَّة بفعل فاعل أو فعل عوامل الزَّمن, أو
تلك التي تعرَّضت عبر التَّاريخ الطَّويل إلى المزيد من التَّحوير والتبدُّل بفعل
الفاعلين ومساعدة الظُّروف الملائمة, إلى أنْ وصلت إلى حالةٍ وكأنَّها أخذت
جنسيَّة لغةٍ من الُّلغات دون غيرها.
في هذه الدراسة والأسطر القادمة سنجاول إلقاء الضوء حسب المصادر التاريخيَّة على بعض الجوانب المتعلِّقة بهذه المسألة.
- ففي التَّوراة مثلاً: اشتقَّ اليهود لقباً ملكيَّاً كأحشويروش من البابليين وصيغتها في الواقع هي خشاثرا الَّتي تعني صاحب السُّلطة أو الملك عند الميديِّين, لفظها اليونانيِّون فيما بعد كــ كسيركس وتحوَّلت في العربيَّة إلى قيصر, وكان هذا الَّلقب يتركَّب من مقطعين, الأوَّل خشاي بمعنى يحكم الَّذي كان يقابله في السَّنسكريتيَّة كساي و ثرا المشتقَّ من يثيا الَّذي يدلُّ على صفة الفاعليَّة لهذا الَّلقب وقد أضيفت في الميديَّة أحياناً كلمة پاد أي القِدَم على بداية هذا الَّلقب فظهر في بعض المصادر بصيغة پادخشايثيا الَّتي تطوَّرت إلى پاد شاه في الُّلغات الإيرانيَّة, وباشا في الُّلغتين العربيَّة والتُّركيَّة".
- وعن البهلويَّة: وردت حولها معلومتين هامَّتين, المعلومة الأولى تفيد بأنَّ: پهلويك Pehlewîk كلمة إيرانيَّة مشتقَّة من پهلو Pehlo (أي المدينة) وعلى هذا الأساس اعتبرها ابن المقفَّع لغة أهل مدن الرَّي وأصفهان وهمدان ونهاوند وأذربيجان, وظلَّت هذه الكلمة في الكرديَّة باختفاء حرف الهاء منها بصيغة پالو الَّتي تشتقُّ منها كلمة پهلوان (أي المدني أو المثقَّف Centileman) وقد استعارتها العرب بمفهوم الرِّياضي أو المتمرِّس في الأشغال الشَّاقة. أمَّا المعلومة الثَّانية فتتعلَّق حول لغة أردشير بن بابك السَّاساني, فإنَّ ابن البلخي يؤكِّد لنا في مجمع الأنساب أنَّ لغة أردشير بن بابكان, مؤسِّس الدَّولة السَّاسانيَّة لم تكن فارسيَّة بل أنَّ هذه الشَّخصيَّة التَّاريخيَّة كان ينتمي إلى طائفة الشبانكارة الكرديَّة الَّتي كانت أحياؤهم تكثر في جميع أنحاء فارس وزادوا على خمسمائة ألف بيت شعر ينتجعون المراعي في المشتى والمصيف على مذهب العرب على حدِّ قول الاصطخري, ولا يزال أحفاد هذه الطَّائفة يعيشون في نواحي كالون عبدو في إقليم فارس في القسم الشِّمال الغربي من محافظة شيراز ويتكلَّمون بإحدى الَّلهجات الكرديَّة الجنوبيَّة. ومن المفيد أيضاً أنْ نعرف أنَّ الُّلغة البهلويَّة – الفهليَّة أو الفيليَّة, استعملت لتدوين بعض الوثائق بالخطَّ الآرامي في نهاية الألف الأوَّل قبل الميلاد وبداية العصر الميلادي, ثمَّ أصبحت الُّلغة الرِّسميَّة للإمبراطوريَّة السَّاسانيَّة, وتعتبر هذه الُّلغة من أغنى الُّلغات الإيرانيَّة الَّتي خلَّفت عدداً كبيراً من الكتب والوثائق التَّاريخيَّة, كـ زند أفستا, وألف ليلة وليلة, والسِّندباد البحري, وكليلة ودمنة, وغيرها ومنذ سقوط إمبراطوريَّتهم اعتبر الفيليِّون أنفسهم جزءاً من شرائح القوميَّة الكرديَّة, وعلى هذا الأساس يمكن دراسة خلفيَّة الَّلهجة الجنوبيَّة الكرديَّة المعاصرة من خلال هذه الُّلغة.
- أمَّا عن تطوُّر بعض المفاهيم الأخرى:
من المعروف أنَّ الألفاظ الكلاميَّة القائمة على أساس عقلاني تظهر عند الإنسان كتفسير لظهواهر طبيعيَّة أو اجتماعيَّة محدَّدة بدرجة رقيِّ السُّلَّم المعرفي عنده, وتكون هذه الألفاظ قابلة للتطوُّر مع مرور الزَّمن شكلاً ومضموناً, كما تختفي أحياناً أو تموت لأسباب شتَّى. فالكنية القوميَّة بدأت تعبِّر إمَّا عن انتماء ديني أو طبقي أو عن انحدار طوبوغرافي معيَّن وكانت تشوبها أحياناً مشاعر التَّفاخر أو الاستهزاء والتَّحقير. وبناءً على هذه الحقائق اشتهر الآشوريِّون والخلديِّون بأسماء معبوداتهم آشور وخلد, كما عرفت شعوب المناطق السُّفلى من وادي الرَّافدين كالعموريِّين والكاشيِّين والكلدانيِّين كبابليِّين دون الاهتمام بنمط السنتهم, بينما ادَّعى الملوك الأخمينيِّون والسكس أنَّهم من الآريِّين, أيّ من النُّبلاء والأشراف, وقد سجَّل داريوس اسم المقاطعات الشَّرقيَّة لإمبراطوريَّته بصيغة الـهند بدلاً من الـسِّند وذلك بناءً على تحوُّل حرف السِّين إلى الهاء وبالعكس داخل أرومة الُّلغات الهنديَّة الإيرانيَّة, فأصبحت اسم نهرٍ يجري في تلك المقاطعات كنيةً لمجموعة شعوب وحضارات معروفة. ولا غرابة من اشتهار الرُّوس والصِّرب والبولونيِّين والتِّشيك عند الرُّومان بالسِّلاف العبيد وذلك لانحدار أغلب العبيد في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة من هذه الأجناس, كما كانت الحال عند السُّومريِّين الَّذين سمُّوا عبيدهم بـLu – Kur-ra - أهل الجبال بينما اطلقوا على بلادهم كنية Su.bir البلاد العليا مثلما أطلقت الشُّعوب الجرمانيَّة على الفريزيِّين والفلامان كنية Niederlander سكَّان الأراضي المنخفضة. وبسبب عدم فهم الُّلغات الجرمانيَّة عُرف جميعهم عند السِّلاف بالخرْسى, الكنية الَّتي اشتقَّت العرب منها تسمية النَّمسا.
قبل عصر السِّيادة الميديَّة كان ملوك
آشور يصفون كلَّ الأقوام البدويَّة بالـعربي Ari-bi في
حين أطلق السَّاسانيِّون على بدو آسيا الوسطى كنية الـتُّوران – وجاء مفردها في
الفهلويَّة بصيغة تور- يك, أيّ التُّركي حيث ميَّزوهم عن تلك البطون الَّتي عرفت
عندهم بالـكورتان – وجاء مفردها في الفهلويَّة بصيغة كورد – يك أيّ الكوردي بينما
أطلقت الغزُّ الأتراك على قسمٍ من قبائلهم كنية القرغيز (الُّلصوص) وهي لا تزال
اسم من أسماء شعوبهم, ونرى نفس الظَّاهرة عند الكرد عندما أطلقوا على شريحة من
قبائلهم كنية الـزَّنگه نه- أي ذو الَّلون الدَّاكن كالصَّدأ المتحوِّلة في
الفارسيَّة إلى الـزَّنگه نه وفي التُّركيَّة إلى الـچنگه نه أيّ الغجر ثمَّ وصلت هذه الكلمة الكرديَّة إلى أوربَّا فصارت في الرُّوسيَّة بصيغة تسيگان وفي الألمانيَّة Zigeun. وعلى هذا الأساس لا
غرابة من إطلاق الأوربيِّين كنية جیبونگ آو نیپونگ على اليابان بعدما سمعها ماركو
بولو من الصِّين بصيغة yipin, في حين سجَّلوا اسم
الصِّين المعروف محليَّاً بـتون كوا tun cua بصيغة china. ومن جهتهم يطلق الصِّينيِّون على روسيا
كنية إيسلاند وعلى فرنسا فاگوا وإنجلترا إنگوا وعلى أمريكا مَيْ كوا وهلمَّ جرا. وهكذا, فالتَّسميَّات والاصطلاحات الَّتي ألصقت بالشُّعوب في
التَّاريخ لم تكن تعبِّر غالباً عن مفهوم واقعي بل أسطوري مثل آشور وخلْدي, وكانت
الكنية القوميَّة تظهر بعد تكامل مقوِّمات الوحدة بين مجموعات إثنيَّة متجانسة,
وفي خارج هذا المفهوم تعتبر الكنية إصطلاحاً غير قوميَّاً نفهم منها الانتماء
الدِّيني أو الطَّبقي أو الجغرافي. فالاصطلاح الجغرافي كَرْدا kar-da الوارد ذكره في سجلِّ سوشين 2036-2028ق.م
رابع ملوك سلالة أور الثَّالثة وكان النَّص كما يلي: إيرننا حاكم سكَّان منطقة سو
وأراضي منطقة كَرْدا جاء كإسم مقاطعة لم يعبِّر عن مفهوم إثني بتاتاً, ومع ذلك فقد
ربطه درايفرG.R.Driver بعدد من المصطلحات
التَّاريخيَّة مثل كَرداكيس kardakes أصحاب القوافل عند
الإيرانيِّين, المصطلح الَّذي ذكره كذلك هيرودوت وكَرْدوخيا karduchia الَّتي سجَّلها كسينوفون في أناباسيسة
وگوردوئيني Gorduene المذكورة في جغرافيَّة سترابو.
وبجانب نجاح درايفر في تحديد موقع كَرْدا قرب مناطق السُّوئيِّين بجنوب بحيرة وان,
فإنَّه جعل بصواب من كنية قورتي Qur-ti-e الواردة في سجلٍّ من
سجلَّات الملك الآشوري تيغلات بلاصر جذراً لكنية الكرد القوميَّة, وفي الواقع إنَّ
إقليم الجزيرة الواقع في شمال شرق سوريا إشتهر منذ فجر التَّاريخ بمستوطناتها
الزِّراعية, سُجِّلت أخبارها في الألواح الحثِّية والبابليَّة القديمة, وكان من
أشهرها مستوطنة نيلابشينو nilabşinu المعروف الآن بتلَّ براك,
وكان طوبوغرافيَّاً في اتِّصال مباشر مع كلٍّ من مملكة أوركيش الحوريَّة الَّتي
نشأت في وادي نهر الخابور, ومقاطعة أشناككوم شهرابازار وكخات تلَّ باري, وكلها
كانت تحيط ببلاد عرفت في هذه الألواح ببلاد الكرد mat Kurda ki الَّتي شملت الأراضي الواقعة على نهر
الخابور بشمال الحسكة ووادي عامودا وتلَّ أسود الَّتي تعرف اليوم باسم جغجغه. وعلى
هذا الأساس, فإنَّ الصِّيغة الطُّوبوغرافيَّة كوردا Kurda تعتبر أقدم وأقرب الأشكال التَّاريخيَّة إلى
صيغة الكنية القوميَّة للأمَّة الكرديَّة المعاصرة. ومع وجود اختلاف ظاهر بين
كوردا منطقة جغجغة وكَرْدا أو قردى مقاطعة
الجزيرة, إلَّا أنَّهما يعتبران اصطلاحين قديمين جدَّاً جاء ذكرهما معاً في
الألواح المسماريَّة ثمَّ تعرَّف بهما كُتَّاب الإغريق والرُّومان في وقتٍ لاحق.
أمَّا في المدوَّنات الآراميَّة فقد استعمل الاصطلاح الأوَّل كوردا بمفهوم إثني,
والثَّاني كَردا أو قردى بمفهوم طوبوغرافي, كان يتقدَّم عليه أحياناً كلمة بيث Beth بيت أو المستوطنة المشتقَّة من الصِّيغة بيت
Bit الآشوريَّة واستعمل بدلاً من كلمة Mat السُّومريَّة, وبناءً عليه فقد سجَّله
الآراميِّون كـ ـبيث قردو Beth Qardu. ولأسباب لغويَّة سجَّله
البلدانيِّون المسلمون بصيغة بقردى أو قردى".
- أمًّا عن يوم السَّبت وبعض المفاهيم الأخرى يمكن القول: أنَّ
أصل مصطلح السَّبت ما هي إلَّا العدد /7/ sapta السَّنسكريتي و septium الَّلاتيني الَّذي أصبح في الإيرانيَّة
بصيغة hapta وفي الكرديَّة الحديثة
بصيغة hafta, بمعنى الأيَّام
السَّبعة, وبناءً على المفاهيم الدِّينيَّة الهنديَّة – الآريَّة المتعلَّقة بخلق
الإنسان من قبل آهورامزدا في ستَّة أيَّام, حيث استراح بعده في اليَّوم السَّابع sapta, فقد استعار اليهود في بابل منذ زمن الحكم
الإخميني القرن السَّادس قبل الميلاد هذه الكلمة الهنديَّة – الآريَّة بصيغة شبات
وجعلوها دليلاً على يوم راحتهم المقدَّسة في نهاية الاسبوع, ومن خلال الآراميَّة
اشتقَّت العرب منها كلمتي السبْت والسُّبات, لكنَّ كلمة الشَبات العبريَّة انتقلت
مرَّةً أخرى إلى الكرديَّة بصيغة شَنْبات أو شنْبه أو شَمي بمعنى يوم السَّبت, وهي
على نمط كلمة تاگ البهليَّة الفيليَّة القديمة الَّتي استوعبتها العربيَّة بصيغة
تاج وصاغتها الكرد عن طريق العربيَّة كــ تانج أو أماج أيّ الغاية الَّتي ظلَّت في
التُّركيَّة على حالها وأصبحت في الكرديَّة فيما بعد أمانج. ولا ننسى هنا بعض
الأسماء الأفستيَّة والبهلويَّة القديمة مثل گمهور جمهور ودَسْتَوَر دستور وديوان
جمع ديو أي القاعة لا تزال شائعة عند الكرد حيث يعتقد البعض خطأً وكأنَّ أصولها
ترجع إلى العربيَّة, كما نرى هذه الظَّاهرة في استعمال اصطلاح الدِّين المشتقَّ من
خلال صيغته البهلويَّة دين المتسرِّبة إليها من دايْنا الميديَّة تماماً كإصطلاح
الفِرْدَوْس المعرَّب من صيغته البهلوية pirdaus المتسرِّبة إليها من
الميديَّة الَّتي دوَّنها دارا الإخميني أيضاً على لوحته على سفح جبل بهستون بصيغة
paradiza, كما أنَّ الاصطلاح الكردي dêw الغول مشتقٌّ من صيغة daeva الأفستيَّة, وكلمة كاروان القافلة الَّتي
نجدها في عدد من لغات العالم يرجع أصلها إلى الفعل الهندو – الإيراني kara-ban – العامل.
- وعن قدسيَّة بعض الأرقام يمكن
القول: أنَّ لبعض الأرقام
مثل الرَّقم /3/ والرَّقم /7/ والرَّقم /12/ وأرقام عديدة أخرى مكانةٌ مقدَّسة في
معتقدات كثيرٍ من الشُّعوب والأقوام, ولكلِّ رقمٍ من هذه الأرقام سيرتها وحكايتها
في ثقافات تلك الشُّعوب إلى أنْ أصبحت جزءاً من ثقافاتها المجتمعيَّة
والدِّينيَّة, دون أنْ يكون لدى عامَّة النَّاس معرفة حقيقيَّة عن أسرار قدسيَّة
هذه الأرقام, الَّتي أصبحت البعض منها مصدراً للقَسَم واليمين في الثَّقافة
الشَّعبيَّة مثل الرَّقم /3/ كالطلاق بثلاث, والقَسَم واليمين المعظَّم بثلاث,
واللهِ وباللهِ وتاللهِ, والاستغفار بالله ثلاث مرات, وتطهير المدنَّس بسكب الماء
عليه ثلاثُ مرَّات, وكذلك الأمر بالنِّسبة للرَّقم /12/ الذي يلعب دوراً حيويَّاً
في ربط الحوادث الدِّينيَّة المختلفة مع بعضها البعض, وقصَّة هذا الرَّقم ورد أنَّ
البابليَّيون والشِّعوب المعاصرة لهم اعتمدوا النمط
الستيني في الحساب الأمر الذي جعل العدد (12) ذا أهمية كبيرة باعتباره الجذر الأهم
للرَّقم 60 (4 ضرب 3= 12ضرب 5=60) وبناءً عليه جاءت قدسية الرقم (12) في الأبراج
المستعملة حتى الآن, كذلك انعكست قدسية الرقم (12) على سرديات الأديان الإبراهيمية
كما نرى ذلك في أسباط بني اسرائيل وعددهم (12) وحواريي يسوع المسيح وعددهم (12)
وأئمَّة الشَّيعة الإمامية وعددهم (12) إضافةً إلى تقسيم السَّنة إلى /12/
شهراً إضافةً إلى ترتيب الَّليل والنَّهار بنفس الرَّقم /12/ ساعة لكلٍّ منهما,
وكان الاعتقاد بأنَّ الرَّقم /12/ يرمز إلى القوَّة المطلقة للإله والقناعة
التَّامة به, وكان هذا نتيجة تفسير بأنَّ الرَّقم /12/ يتكوَّن من حاصل ضرب
الرَّقم /3/ رمز الكمال الإلهي بالرَّقم /4/ رمز الطَّبيعة أو الأرض في جهاتها
الأربع, أمَّا الرقَّم /7/ الذي هو حاصل جمع /3و4/ فهو رقم الكمال الإلهي حسب تلك
المعتقدات, ولهذا اعْتبرَ الرَّقمين /12/ و/7/ من أرقام الكمال, الأوَّل, الإلهي,
والثَّاني الرُّوحي, ولهذا نجد في المعتقدات الدِّينيَّة والثَّقافة الشَّعبيَّة
ما يشير إلى قدسيَّة الرَّقم /7/ كالقول:
بـ السَّموات السَّبع, والملائكة السَّبعة, وطبقات الأرض السَّبع, وأنَّ الله خلق
الكون في ستة أيام واستراح اليوم السَّابع, وأيَّام الإسبوع السَّبع, وأبواب
جهنَّم سبعٌ, والطَّواف حول الكعبة سبْعة أشواط, وفي الثَّقافة الشَّعبيَّة, سبع
سنوات من الغربة, والمستحيلات السَّبعة, وعجائب الدُّنيا السَّبعة, والهرَّة بسبعة
أرواح, ومن شرب من ماء سبع ينابيع, يمتلك المعرفة والحكمة, والغول بسبْعة رؤوس.......الخ. وحول قصَّة قدسيَّة الرَّقم
(7) دينيَّاً ورد في المصادر التاريخية سيرة قدسية هذا الرَّقم من أنَّ (آن) كان في
الميثولوجيا السُّومريَّة أكبر الأرباب
وأبو الآلهة وملك السَّماوات, وبنيت له معابد في كلٍّ من دير جنوب مندلي وآشور
والوركاء وأور ونفر ولغش وسيبار, ولجأ إلى بلاطه جميع المعبودات أثناء حلول
الطُّوفان, ثمَّ ظهرت الآلهة الثَّانويَّة فأعطي لهم في البانثيوم السُّومري
نقاطاً سبع تعبيراً لعددهم, وفي الألف الثَّاني ق.م. أحاط الإله (إيل) الكنعاني (آن)
السُّومري تطوُّر وتحوُّل في المعتقد الكنعاني إلى (إيل) سبعة من أبنائه أنجبهم من
أجل إقامة دورةٍ من سبع سنين رخاء, وكانوا مسيطرين على قوى الطَّبيعة. وفي معتقد
الإيرانيِّين القدماء كان هناك صراع بين آهورامزدا إله النُّور, وأهريمن ربُّ
الشَّر الغائر في أعماق الظَّلام, بدأ الأوَّل بخلق القوى الستَّة الخالدة أميشا
سبينتا الَّتي سيطرت على السَّماء والماء والأرض والنَّبات والمواشي ثمَّ الإنسان
وكان هو سابعهم, ذلك الرَّقم الَّذي جاءنا بصيغة سَوْتا عند الميتانيِّين أيّ
ساپتا السَّنسكريتيَّة وSepti الَّلاتينيَّة وهاپتا
الإيرانيَّة. وقد استعار الكنعانيِّون ومن بعدهم العبريِّون مصطلح ساپتا وأعطوا له مفهوماً مقدَّساً, فآمن النَّبيُّ إبراهيم بالإله
الكنعاني (إيل) وسابوعه في المجمع الإلهي, وقال موسى ستَّة أيَّام يصنع عمل وأما
اليوم السَّابع ففيه سبت عطلة مقدَّس الرَّب, كل من صنع في يوم السَّبت يُقتل
قتلاً, لأنَّه في ستَّة أيَّام صنع الرَّبُّ السَّماء والأرض وفي اليوم السَّابع
استراح وتنفَّس, كما أنَّ (يهوه) قال لنوح من جميع البهائم الطَّاهرة تأخذ معك
سبعة سبعة ذكراً وأنثى...لأنِّي بعد سبعة أيَّام أيضاً أمطر على الأرض – تكوين –
7: 3-4, وعندما مات يعقوب صنع يوسف لأبيه مناحة سبعة أيَّام – تكوين 50: 11, وكان
يعقوب قد أحبَّ راحيل فقال لأبيها أخدمك سبع سنين براحيل ابنتك الصُّغرى – تكون
29: 19, فأخذ لابان إخوته وسعى وراء يعقوب مسيرة سبعة أيّام – تكوين 31: 22, وكان
حلم فرعون أمام يوسف هو ذا سبع بقراتٍ طالعة من النَّهر حسنة المنظر وسمينة
الَّلحم – تكوين 41: 1-3, وقال (يهوه) لموسى متى ولد بقر أو غنم أو معزي يكون سبعة
أيَّام تحت أمِّه – لاويين 22: 26, وهكذا
وبعد الخروج من مصر, استقرَّت القبائل العبريَّة في فلسطين وتحولت علاقاتهم
الاقتصاديَّة من الرَّعي إلى الزِّراعة,
وتجسد التَّقليد الميتاني في تقديس الرَّقم /7/ في ذهنيَّتهم حيث قال لهم (يهوه)
سبعة أسابيع تحسب لك من ابتداء المنجل في الزَّرع تبتدئ أنْ تحسب سبعة أسابيع –
التَّثنية 16: 9, و ستُّ سنين تزرع حقلك وستُّ سنين تقضب كرمك وتجمع غلَّتهما,
وأمَّا في السَّنة السَّابعة ففيها يكون الأرض سبتٌ عطلة سبتاً للرَّبِّ...وإذا
قلتم ماذا نأكل في السَّنة السَّابعة إنْ لم نزرع ولم نجمع غلَّتنا, فإنِّي آمرٌ
ببركتي لكم في السَّنة السَّادسة فتعمل غلَّةً لثلاث سنين فتزرعون السَّنة
الثَّامنة وتأكلون من الغلَّة العتيقة إلى السَّنة التَّاسعة –لاويين – 25: 3-21,
ثمَّ تعمل لنفسك عيد المظال سبعة أيَّام عندما تجمع من بيدرك ومن معصرتك – تثنية
16: 13, و عند تقديم الأضاحي للرَّبِّ يأخذ الكاهن بغمس أصبعه في الدَّم وينضح من
الدَّم سبع مرَّاتٍ أمام الرَّبِّ لدى حجاب القدس – لاويين 4: 7..... هذا وتذكر
الأدبيَّات العبريَّة أنَّ النَّبيَّ إبراهيم ظلَّ سبع سنين في بلاد حاران, وحفر
بئراً وسمَّاه بئر سبع .....الخ, وتقليداً لهذا العرف اليهودي الَّذي ساد في
الجزيرة العربيَّة, أعيد تقديس العدد /7/ في القرآن مرَّات عديدة مثل الَّذي خلق
سبع سماوات طباقاً – سورة الملك 3, وسخَّرها عليهم سبع ليالٍ – الحاقة 7, وإنَّ
جهنَّم لموعدهم أجمعين, لها سبعة أبواب – الحجر 43, و قال الملك إنِّي أرى سبع
بقراتٍ سمان يأكلهنَّ سبعٌ عجاف وسبع سنبلات خضرٍ – يوسف43, هذا وقد شارك الكرد في
تبنِّي هذا الأساس السُّومري والهندي الآري لتقديس الرَّقم /7/ فيرى الأزديِّون
السَّماوات سبعٌ والارضين سبعٌ والبروج سبعٌ والملائكة سبعٌ, وبناءً على هذه
الخلفيَّة كان عدد مساعدي الملك الإخميني سبعة وعدد عبيده سبعة, وعدد من كان يحق
لهم رؤية وجه الملك سبع رؤساء من الفرس والميديِّين.
في هذه الدراسة والأسطر القادمة سنجاول إلقاء الضوء حسب المصادر التاريخيَّة على بعض الجوانب المتعلِّقة بهذه المسألة.
- ففي التَّوراة مثلاً: اشتقَّ اليهود لقباً ملكيَّاً كأحشويروش من البابليين وصيغتها في الواقع هي خشاثرا الَّتي تعني صاحب السُّلطة أو الملك عند الميديِّين, لفظها اليونانيِّون فيما بعد كــ كسيركس وتحوَّلت في العربيَّة إلى قيصر, وكان هذا الَّلقب يتركَّب من مقطعين, الأوَّل خشاي بمعنى يحكم الَّذي كان يقابله في السَّنسكريتيَّة كساي و ثرا المشتقَّ من يثيا الَّذي يدلُّ على صفة الفاعليَّة لهذا الَّلقب وقد أضيفت في الميديَّة أحياناً كلمة پاد أي القِدَم على بداية هذا الَّلقب فظهر في بعض المصادر بصيغة پادخشايثيا الَّتي تطوَّرت إلى پاد شاه في الُّلغات الإيرانيَّة, وباشا في الُّلغتين العربيَّة والتُّركيَّة".
- وعن البهلويَّة: وردت حولها معلومتين هامَّتين, المعلومة الأولى تفيد بأنَّ: پهلويك Pehlewîk كلمة إيرانيَّة مشتقَّة من پهلو Pehlo (أي المدينة) وعلى هذا الأساس اعتبرها ابن المقفَّع لغة أهل مدن الرَّي وأصفهان وهمدان ونهاوند وأذربيجان, وظلَّت هذه الكلمة في الكرديَّة باختفاء حرف الهاء منها بصيغة پالو الَّتي تشتقُّ منها كلمة پهلوان (أي المدني أو المثقَّف Centileman) وقد استعارتها العرب بمفهوم الرِّياضي أو المتمرِّس في الأشغال الشَّاقة. أمَّا المعلومة الثَّانية فتتعلَّق حول لغة أردشير بن بابك السَّاساني, فإنَّ ابن البلخي يؤكِّد لنا في مجمع الأنساب أنَّ لغة أردشير بن بابكان, مؤسِّس الدَّولة السَّاسانيَّة لم تكن فارسيَّة بل أنَّ هذه الشَّخصيَّة التَّاريخيَّة كان ينتمي إلى طائفة الشبانكارة الكرديَّة الَّتي كانت أحياؤهم تكثر في جميع أنحاء فارس وزادوا على خمسمائة ألف بيت شعر ينتجعون المراعي في المشتى والمصيف على مذهب العرب على حدِّ قول الاصطخري, ولا يزال أحفاد هذه الطَّائفة يعيشون في نواحي كالون عبدو في إقليم فارس في القسم الشِّمال الغربي من محافظة شيراز ويتكلَّمون بإحدى الَّلهجات الكرديَّة الجنوبيَّة. ومن المفيد أيضاً أنْ نعرف أنَّ الُّلغة البهلويَّة – الفهليَّة أو الفيليَّة, استعملت لتدوين بعض الوثائق بالخطَّ الآرامي في نهاية الألف الأوَّل قبل الميلاد وبداية العصر الميلادي, ثمَّ أصبحت الُّلغة الرِّسميَّة للإمبراطوريَّة السَّاسانيَّة, وتعتبر هذه الُّلغة من أغنى الُّلغات الإيرانيَّة الَّتي خلَّفت عدداً كبيراً من الكتب والوثائق التَّاريخيَّة, كـ زند أفستا, وألف ليلة وليلة, والسِّندباد البحري, وكليلة ودمنة, وغيرها ومنذ سقوط إمبراطوريَّتهم اعتبر الفيليِّون أنفسهم جزءاً من شرائح القوميَّة الكرديَّة, وعلى هذا الأساس يمكن دراسة خلفيَّة الَّلهجة الجنوبيَّة الكرديَّة المعاصرة من خلال هذه الُّلغة.
- أمَّا عن تطوُّر بعض المفاهيم الأخرى:
من المعروف أنَّ الألفاظ الكلاميَّة القائمة على أساس عقلاني تظهر عند الإنسان كتفسير لظهواهر طبيعيَّة أو اجتماعيَّة محدَّدة بدرجة رقيِّ السُّلَّم المعرفي عنده, وتكون هذه الألفاظ قابلة للتطوُّر مع مرور الزَّمن شكلاً ومضموناً, كما تختفي أحياناً أو تموت لأسباب شتَّى. فالكنية القوميَّة بدأت تعبِّر إمَّا عن انتماء ديني أو طبقي أو عن انحدار طوبوغرافي معيَّن وكانت تشوبها أحياناً مشاعر التَّفاخر أو الاستهزاء والتَّحقير. وبناءً على هذه الحقائق اشتهر الآشوريِّون والخلديِّون بأسماء معبوداتهم آشور وخلد, كما عرفت شعوب المناطق السُّفلى من وادي الرَّافدين كالعموريِّين والكاشيِّين والكلدانيِّين كبابليِّين دون الاهتمام بنمط السنتهم, بينما ادَّعى الملوك الأخمينيِّون والسكس أنَّهم من الآريِّين, أيّ من النُّبلاء والأشراف, وقد سجَّل داريوس اسم المقاطعات الشَّرقيَّة لإمبراطوريَّته بصيغة الـهند بدلاً من الـسِّند وذلك بناءً على تحوُّل حرف السِّين إلى الهاء وبالعكس داخل أرومة الُّلغات الهنديَّة الإيرانيَّة, فأصبحت اسم نهرٍ يجري في تلك المقاطعات كنيةً لمجموعة شعوب وحضارات معروفة. ولا غرابة من اشتهار الرُّوس والصِّرب والبولونيِّين والتِّشيك عند الرُّومان بالسِّلاف العبيد وذلك لانحدار أغلب العبيد في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة من هذه الأجناس, كما كانت الحال عند السُّومريِّين الَّذين سمُّوا عبيدهم بـLu – Kur-ra - أهل الجبال بينما اطلقوا على بلادهم كنية Su.bir البلاد العليا مثلما أطلقت الشُّعوب الجرمانيَّة على الفريزيِّين والفلامان كنية Niederlander سكَّان الأراضي المنخفضة. وبسبب عدم فهم الُّلغات الجرمانيَّة عُرف جميعهم عند السِّلاف بالخرْسى, الكنية الَّتي اشتقَّت العرب منها تسمية النَّمسا.

ليست هناك تعليقات: