إمارة بابان الكوردستانية (1649- 1851) مهدي كاكەيي - اتحاد كتاب كوردستان

728x90 AdSpace

شائع
الجمعة، 31 يوليو 2026

إمارة بابان الكوردستانية (1649- 1851) مهدي كاكەيي

إمارة بابان الكوردستانية (1649- 1851)

مهدي كاكەيي
مهدي كP Ê N Û S A   A Z A D –  H I J M A R / 25 / 2 0 26اكە

الأسرة البابانية الحاكمة كانت أسرة عريقة، أشارت إليها دائرة المعارف البريطانية في موسوعتها لِسنة 1950 (الإنسكلوبيديا) في مادة (الكورد Kurd)، بأن تأريخ الأسرة البابانية الحاكمة يعود إلى ما قبل سنة 401 قبل الميلاد. يؤكد على ذلك الأستاذ عبد القادر رستم الباباني في كتابه المعنون (تاريخ وجغرافية كردستان- سير الأكراد)، الصادر باللغة الفارسية، ويذكر أيضاً في هذا الكتاب بأن هذه الأسرة إشتهرت في كوردستان في أيام الحُكم الكياني والأشكاني وأن عشيرة الأسرة البابانية كانت من أكثر العشائر الكوردية عدداً وعُدةّ في ذلك الوقت وكما أنهم إهتموا بالصُنّاع الماهرين وأرباب الحِرَف والمهن والفنون الذين برزوا في منطقة السليمانية [1].

      مصادر تأريخية عديدة تذكر بأن كورد (شهرزور) كانوا ذوي سلطة ونفوذ على بلادهم، وكانوا أقوياء بحيث أنهم تمكنوا من السيطرة على الحدود القريبة من همدان وكرماشان أيام حكم (أردشير بابكان) الذي إمتد من سنة 226 ميلادية إلى سنة 241 ميلادية [2]، [3].

      يذكر (مأمون بگ) أن البابانيين أصحاب إمارة بابان الكوردية ويرجع مصدر إسمهم الى كلمة (باوه) التي تحولت الى (بەبه) [4]. قوله هذا يشير الى أنّ أمراء بابان كانوا يعتنقون الدين اليارساني. يقول الأستاذ (محمد جميل روژبياني)، أن لفظة (بَبَئي) متطورة من كلمة (بابائي)، التي هي اللقب الروحي الخاص بالقدّيسين اليارسانيين. يذكر الأستاذ (روژبياني) أيضاً بأنه سأل العلّامة (توفيق وهبي) عن منشأ لقب (بابان) فأجابه بأنهم يرجعون في الأصل إلى مؤسس إمارة أردلان (بابا أردلان). هكذا فأنّ المؤرخ واللغوي الكوردستاني العلّامة توفيق وهبي يؤكد على أن إسم البابانيين الذين أسسوا إمارة (بابان) الكوردستانية، متأتٍ من كلمة (باوه)

التي هي إسم لطبقة دينية يارسانية ومن ثم تحوّلت هذه الكلمة الى (بەبە BEBE)، وبذلك يقول بأن أمراء بابان كانوا من أتباع الدين اليارساني [5]. يضيف العلّامة توفيق وهبي بأن البابانيين ينحدرون من باوه أردلان، مؤسس الدولة الأردلانية. كانت اللهجة الگورانیة هي اللهجة الرسمية

لإمارة بابان في فترة معينة من تأريخها. كما يذكر العلّامة توفيق وهبي في بحثه المعنون (جبل پیرەمەگرون PÎREMEGRÛN) والذي يوجد على قمّته ضريح بِنفس الإسم، بأن ذلك الضريح يعود لشخصية دينية يارسانية بإسم (پير ئەنبەر گدروون)، إلا أن هذا الإسم تحوّر بمرور الزمن الى (پیرەمەگرون) [6]. هذا الضريح هو لِشخصية يارسانية قد تكون عاشت خلال إنتشار الدين اليزداني في زمن الهوريين أو قبله في عهد السومريين أو قد تعود الى أيام حُكم الأردلانيين أو البابانيين. كما يذكر التأريخ بأن الطوفان السومري حصل في هذه المنطقة قبل أكثر من 6000 سنة، حيث رست سفينة الطوفان السومرية فوق قمة هذا الجبل [7]. هذه المصادر التأريخية قد تعزز ربط الضريح الموجود على قمة جبل (پیرەمەگرون) بالعهد السومري. لِتحديد عُمر الضريح وفترة حياة صاحبه، يجب القيام بحفريات أثرية للضريح وللمنطقة المحيطة به. إنّ هذه الشخصية اليارسانية هي على الأرجح ل(كيدرون زيبائي) الذي يأتي في التسلسل (52) ضمن پیران (شاهۆ) الذين عددهم (99) شخصاً.

      من الجدير بالذكر أنّ هناك أربع طبقات دينية في الدين اليارساني وهي حسب تسلسل درجاتها من الأعلى الى الأدنى: پیر، باوە، مام، عامة الناس. هكذا فأنّ كل فرد منتمي للطبقة الدينية العليا في الدين اليارسي يُلقّب بِ(پیر) وعليه فهو أعلى لقب ديني في الدين اليارساني، حيث أنّ حاملي هذا اللقب ينتمون لِأعلى طبقة دينية التي هي أعلى مرجعية دينية يارسانية وأن هذه الطبقة تعادل طبقة الشيوخ في المذهب السُنّي وطبقة السادة لدى الشيعة. الفروع الأخرى للدين اليزداني مثل الإيزدية والهلاوية والدروز والشبك تشترك مع الدين اليارساني في وجود طبقة ال(پیر) لديها.

      من المراقد والمزارات والأضرحة اليارسانية في كوردستان والتي يعود قسم منها الى عهد الحُكم اليارساني لممالك أردلان وبابان وحسنوي وعياري، هي (باوه مَحمي) في مدينة خانقين و(باوه گوڕگوڕ BAWE GUŔGUŔ) في كركوك ومقبرة (باوه فتحي) الواقعة داخل مدينة كركوك و(باوه نور) في منطقة (گەرمیان GERMYAN) و (باوه داوود) في داقوق و (داوود كەوەسوار) في قصر شيرين و (باوه یادگار) في جبال (داڵەهۆ DAŁEHO) و(باوه گرزين) و(باوه حافز) و (طاهر) في مدينة مندلي و(شيخ باوه) الواقعة بين مدينة جلولاء وكلار و (باوه شاسوار) التي تقع شمال شرقي مدينة كفري، حيث أن هناك مقبرة أثرية قديمة تُسمى بهذا الإسم والتي فيها قبور كبار رجال الدين اليارسانيين، وباوه خوبيار في قرية كوڵەجۆ القريب من شيخ باوه و (پير ئەنبەر گدروون)، الذي هو إسم شخصية دينية يارسانية، يذكر العلامة (توفيق وهبي) أنّ إسم هذه الشخصية تحوّر بمرور الزمن الى (پیرەمەگرون) [6]. يوجد ضريح (پیرەمەگرون) على قمّة جبل (پیرەمەگر ون). كما نرى فأن هذا الجبل يحمل إسم هذه الشخصية الدينية.  

 كما هناك أماكن كثيرة في مدن كركوك والسليمانية وأربيل تحمل أسماء شخصيات دينية يارسانية، على سبيل المثال، قرى باوه مَرد وباوه گیلدي وباوه خۆشین وباوه چیچەك في السليمانية [8]. وقرية باوه بالقرب من ليلا التابعة لناحية قره حسن في كركوك، باباوەيس في قضاء خانقين ومام وەيس. 

       تمّ ذكر تأريخ إمارة بابان لأول مرة من قِبل شرفخان بدليسي (1543 – 1604 م) في كتابه المعنون (شرفنامه) الصادر في سنة 1596 ميلادية باللغة الفارسية [9]. الكتاب يتحدث عن تأريخ الإمارة إبتداءاً من ظهور حُكم إسماعيل الصفوي (1501 – 1523 م). حسب المعلومات الواردة في كتاب شرفنامه، فأن إنشاء إمارة بابان تمّ قبل ظهور الدولة الصفوية، إلا أنه لا توجد معلومات في المصادر التأريخية عن هذه الإمارة قبل القرن الحادي عشر الميلادي. يذكر شرفخان بدليسي في كتابه أنه عندما تمّ تأسيس

 الدولة الصفوية، كان الأمير (بوداق إبن عبدال) حاكِم امارة بابان والذي كان يحكم المنطقة المحصورة بين (كركوك) و(شارباژێر) وأنه المؤسس الرئيس للإمارة البابانية، وهو من أطلق إسم (بابان) على منطقة

نفوذه. كما يذكر (بدليسي) بأنّ الجد الأكبر للأسرة البابانية الحاكمة هو (بابا قباد). يشير بدليسي أيضاً إلى إحدى الحروب التي خاضها والده (الأمير شمس الدين) جنباً إلى جنب مع القوات البابانية بأمر من السلطان العثماني في القرن السادس عشر من الألفية الثانية والذي يؤكد على أن البابانيين كانوا قبل هذا التاريخ من ذوي النفوذ والسلطة في المنطقة.

      في سنة 1686 ميلادية أي حوالي 70 سنة بعد شرفخان بدليسي، أصدر كاتب كوردي آخر كتاباً بإسم (نور الأنوار). كان إسم الكاتب هو (سيد عبد الصمد توداري) وكان من مدينة (مريوان) الواقعة في شرق كوردستان. يذكر هذا الكاتب في كتابه المذكور بأن الأمير (خالد أحمد باباني) كان حاكم إمارة بابان في سنة 1276 ميلادية [10]. كما أنه، نقلاً عن كتاب (تذكرة الأجناد في محاربة الأتراك والأكراد)، يذكر (سيد عبد الصمد توداري) بأن الأمير (حمزة باباني) حرّر كلاً من آمد (ديار بكر) وحلب عن طريق الحرب. كما أنه يقول بِأن العرب والأتراك قاموا بمحاربته. في هذه الحرب، كان (حمدون بگ) يقود الجيش الباباني الذي أوقف القتال وسلّم القوات البابانية للقوات المُعادية لقاء مبلغ كبير من المال. حينئذ إضطر الأمير (حمزة) أن يهرب مع 12 شخصاً من أنصاره الى مدينة مريوان وهناك بدأ يجمع قوات جديدة. بعد مُضي سنتين، توجّه مع جيشه الجديد الى ساحات الحرب ووصلت قواته الى مدينة بعقوبة، إلا أنه هناك تمّ تسميمه ومات من جرّاء ذلك [10]. يتبين مما سبق أن هناك معلومات موجودة في هذا الكتاب عن إمارة بابان وأمرائه لفترة تبلغ حوالي 250 سنة قبل صدور كتاب شرفخان بدليسي، إلا أن السيد (توداري) لا يتطرق في كتابه الى حدود إمارة بابان.

      بعد صدور كتاب (نور الأنوار) للكاتب (سيد عبد الصمد توداري)، لم يتم االعثور على معلومات عن إمارة بابان في المصادر التأريخية حتى سنة 1820، حيث أنه في ربيع وصيف هذه السنة قام ممثل شركة الهند للشرق، (كلوديوس جيمس ريچ) (1787 – 1821 م) بِرحلة الى كوردستان وقام بِوصف الحياة السياسية

والإقتصادية والإجتماعية لسكان إمارتَي (أردلان) و(بابان) وجغرافيتهما في كتابه المعنون (رحلة ريج في العراق عام 1820) [12]. تمّ طبع هذا الكتاب من قِبل زوجة (ريچ) في سنة 1836 في إنگلترا.

       رافقت مستر (ريچ) زوجته ومجموعة كبيرة من موظفي ومستخدمي وحُرّاس المُقيمية البريطانية، حيث غادروا مقر عملهم في بغداد في شهر نيسان 1820، متوجهين الى مدينة السليمانية، تلبية لِدعوة الأمير الباباني (محمود پاشا). كان الهدف المعلن لِسفرهم هو للترفيه والسياحة، إلا أنّ معلومات أخرى تذكر بأن السبب الحقيقي لهذه الزيارة كان العلاقات السيئة التي كانت قائمة بين والي بغداد (داود پاشا) ومستر (ريچ) ومحاولة (داود پاشا) التدخل في شؤون مستر ريچ.

       سلك مستر (ريچ) ومرافقيه طريق دلي عباس- كفري- خورماتو- داقوق- لَيلان- چمچمال للوصول الى عاصمة الإمارة البابانية، مدينة السليمانية، حيث أقاموا في (سرچنار) لبعض الوقت، للراحة والإستجمام، وتمّ الإحتفاء بهم هناك من قِبل الأسرة البابانية الحاكمة وفي مقدمتهم الأمير الباباني (محمود پاشا). في 10 مايس سنة 1820، إصطحب شقيق الأمير الباباني (عثمان بگ) ضيوفه الى داخل مدينة السليمانية في موكب رسمي بهيج وكانت تعلوه الأعلام ويسير على أصوات الطبول وأنغام الموسيقى.

       اقام مستر (ريچ) ومرافقيه في مدينة السليمانية لأكثر من 3 أشهر لفترتَين، إستمرت الفترة الأولى الى منتصف شهر تموز وبعدها سافروا الى إقليم شرق كوردستان، ضمن إمارة أردلان، وعادوا من هناك الى السليمانية في أواسط شهر أيلول، فأقاموا فيها لغاية 21 تشرين الأول سنة 1820. خلال إقامته في

السليمانية، تسنى لِمستر (ريچ) فرصة للإطلاع على السليمانية والمناطق المحيطة بها ودراسة بيئة المنطقة وتاريخها وحضارتها والحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية فيها وجغرافية إمارة بابان.

      كان يُستعمل إسم (بابان) في القرن السادس عشر الميلادي كإسم للعشائر الساكنة في المنطقة المحصورة بين نهر الزاب الصغير ونهر سيروان وتمّ ذكر بعض الأماكن ضمن هذه المنطقة، مثل پشدر ومرگه وسورداش وسرچنار وشارباژێر وشارَزور وقرَداخ [11].

      تأريخ إمارة بابان منذ نشأتها الى إختفائها ليس تأريخاً مسجلاً بالتعاقب [11]. كما أن سلسلة الأسرة الحاكمة لِإمارة بابان، تمّ تغييرها وتحديثها لمرات عديدة بسبب إنعدام الخلف للحُكام وبسبب قتلهم [12]. كانت إمارة بابان إمارة كبيرة قبل أن يصبح (سليمان پاشا الكبير) والياً على بغداد، حيث كانت تمتد حتى زنگباد ومندلي وكانت أربيل وآلتون كوپري تحت حُكمها، حيث كانت حدود إمارة بابان تبدأ من كركوك غرباً الى قصرشيرين شرقاً وحتى مناطق خانقين ومندلي وبدرة وجصان جنوباً وأربيل ومناطق الزاب الأسفل شمالاً.

      الحدود الجغرافية لإمارة بابان، كما يذكرها مستر(ريچ)، وكما ينقل عنه العلامة محمد أمين زكي في كتابه (تاريخ السليمانية وأنحائها) تبدأ من حدود بغداد وشملت كلاً من داوودة، كفري، دلو، زنگنه، كوم، زندآباد، شيخان، نوره،

 چمچمال، چياسور، كوجماله، شوان، جبوق قلا، عسكر، قلاسيوكه، كردخير، بازيان وأنحاء قرەداخ والذي يشمل باني خيلان، سرچنار، سورداش، مرگه، پشدر، گلاله، شنيك، ماوەت، آلان، سيوەيل، سرآو، ميرآو، بالخ، كابيلون، بازار، بركيو، سروجك، گولعنبر، هلبجه، شميران، قزلجة، ترتول، قرەحسن، ليلان) [13].

المرحلة الثانية من حُكم إمارة بابان

 تبدأ هذه المرحلة إعتباراً من سنة 1650 ميلادية عندما قام (فقي أحمد) بِتأسيس الأسرة البابانية الحاكمة، والذي كان من سكان (دارشمانه) ومن عشيرة (نورالديني) في منطقة پشدر (منطقة قَلادزه الحالية) [13].

      بدأ الكورد نشاطهم السياسي في مطلع القرن التاسع عشر من خلال الحركة التي قام بها عبد الرحمن پاشا بابان، حيث أنه في سنة 1803 ميلادية، أصبح (عبد الرحمن پاشا) أميراً على إمارة بابان وأخذ يقوم بِتقوية سلطته وتوسيع إمارته [14].

      رغم معارضة والي بغداد العثماني (علي پاشا) لِحُكم (عبد الرحمن پاشا)، إلا أنه إستطاع خلال فترة قصيرة من ترسيخ دعائم حُكمه، مستغلاً العلاقات المتأزمة التي كانت قائمة بين الإمبراطورية العثمانية وإيران، حيث أخذ يحاول إيجاد حلفاء خارجيين له، فإتّصل بِحُكّام الإمارات الكوردية المجاورة و بِحاكم كرماشان، (محمد علي ميرزا) [15].

      في سنة 1806 ميلادية، تحالفَ الأمير الباباني (عبدالرحمن پاشا) مع حاكم كرماشان، (محمد علي ميرزا) الذي أعلن الحرب ضد والي بغداد، (علي پاشا)، فإنضّم هو وقواته إلى جيش حاكم كرماشان.

 خلال الفترة التي تلت هذا التحالف، أصبحت إمارة بابان تتعرض لتدخلات في شئونها الداخلية من قِبل كلٍ من والي بغداد ونائب شاه إيران. بالرغم من الخلافات التي حدثت في بعض الأحيان بين الأمير (عبدالرحمن پاشا) مع كلٍ من والي بغداد الجديد، (عبدالله پاشا) وحاكم كرماشان، إلا أن الأمير الباباني إستطاع بِحكمته أن يقوم بِتعزيز سلطته وتوسيع نطاق نفوذه في المنطقة. في سنة 1812 ميلادية، حدث قتال عنيف في مدينة كفري بين القوات البابانية وقوات والي بغداد، (داود پاشا) ومُنيت القوات البابانية بِهزيمة كبرى ومن جرّاء هذه الهزيمة تعرّض سكان منطقة (شارزور) لِمآىسٍ وويلات كبيرة. إضطر الأمير (عبد الرحمن پاشا) أن يلجأ الى إيران ويطلب الحماية من حكومتها، حيث إستجابت الحكومة الإيرانية لِطلبه وقامت بِشنّ غارات على المناطق العثمانية الحدودية المتاخمة لإيران [16].

      توفي الأمير (عبدالرحمن پاشا) في سنة 1813 ميلادية وإستلم (سليمان پاشا) حُكم إمارة بابان [15]. في سنة 1838 ميلادية توفى الأمير (سليمان پاشا) وخلّفه في الحُكم إبنه (احمد پاشا) الذي قام بِتقوية الإمارة، حيث قام بتأسيس جيش منظم ومسلًح بأسلحة حديثة ليكون قادراً على حماية إمارته من النفوذ الأجنبي وأن تستقل إمارة بابان وتُنهي سيطرة ولاة بغداد عليها. كاد الأمير الباباني أن يحقق هدفه في الإستقلال، إلا أن تدخّل بلاد فارِس ودعمها لِ(علي بن محمد بن عبدالرحمن بابان) الذي إعتنق المذهب الشيعي والذي كان يدّعي أحقيته في الجلوس على عرش

الإمارة، حال دون ذلك، حيث أن الأمير (أحمد پاشا) ترك الحُكم لمدة سنة واحدة (1841 – 1842م)، وتولى الحُكم عمّه (محمود پاشا) بِمساعدة القوات الفارسية. بعد مرور حوالي سنة واحدة، إستطاع الأمير (أحمد پاشا) طرد عمّه (محمود پاشا) عن طريق القوة العسكرية وإستعاد حُكمه من جديد في سنة 1842 ميلادية [17].

      تشير بعض النصوص الأدبية إلى إن الإمارة كانت في فترة من الفترات مستقلة تماماً عن النفوذَين الفارسي والعثماني إستناداً إلى قصيدة مشهورة للشاعر الكوردي المعروف شيخ رضا طالباني (1835 - 1909) [18] المشهور بإسم (شێخ رەزاى تاڵەبانى). هنا نقتطف من قصيدته المذكورة المقطع التالي:

له بيـــــرم دێ سوله‌يمانی كه دارولمولكی بابان بوو

نه مه‌حكوومی عه‌جه‌م، نه سوخره‌كێشی ئالی عوسمان بوو

له‌به‌ر قاپی سه‌را سه‌فيان ده‌بةست شێخ و مه‌لا و زاهيد

مه‌تافی كه‌عبه بۆ ئه‌ربابی حاجه‌ت گردی سه‌يوان بوو

له‌به‌ر تابووري عه‌سكه‌ر ڕێ نه‌بوو بۆ مه‌جليسي پاشا

سه‌دای مۆزيقه و نه‌قاره تا ئه‌يوانی كه‌يوان بوو

درێغ بؤ ئه‌و زه‌مانه، ئه‌و ده‌مه، ئه‌و عه‌سره، ئه‌و ڕۆژه

كه مه‌يدانی جريدبازی له ده‌وری كانی ئاسكان بوو

الترجمة العربية للمقطع الشعري

أتذكر السليمانية عندما كانت بيتاً ومُلكاً لِلبابانيين

لم يكونوا تحت حُكم الفُرس ولم يخدموا آل عثمان

كان الشيوخ والملالي والزاهدون يصطفون أمام باب الحكومة

كان تل سَيوان قِبلة أرباب الحاجات

بسبب طوابير العساكر، لم يكن هناك طريق سالك الى مجلس الپاشا

كان صدى الموسيقى والطبول يصل الى بهو كَيوان

أسفاً لذلك الزمان، لذلك الوقت، لذلك العصر ولذلك اليوم

الذي كان ميدان الألعاب حول كانی ئاسكان*

      بناءً على أوامر السلطان العثماني (عبد المجيد الأول)، قام والي بغداد، (محمد وجيه پاشا) في سنة 1851 ميلادية بالهجوم على إمارة بابان والقضاء عليها وبذلك سقطت هذه الإمارة الكوردية وإختفت.

عواصِم إمارة بابان [2]، [3]

إنتقلت مراكز إمارة بابان قبل إستقرارها في مدينة السليمانية الى أماكن عديدة،

 وكانت أهم هذه المراكز هي:

1. مدينة مريوان: تمّ إتخاذ هذه المدينة مركزاً لإمارة بابان في الفترة الممتدة بين سنة 1202م و 1396م، وذلك في عهد الأمير حمزة پاشا بابان والأمراء الذين حكموا بعده.

2. مدينة درياس: خلال حُكم الأمير سيف الدين موكري.

3. مدينة ورمێ (أورميه): أثناء حُكم الأمير صارم سيف الدين موكري.

4. مدينة سابلاخ (مهاباد): أيام حُكم الأمير بوداق شێر بەگ.

5. مەرگه: كانت مركز إمارة بابان حوالي سنة 1596 م. في الوقت الحاضر وهي قرية كبيرة تابعة لمحافظة السليمانية.

6. دارەشمانه: كانت مركز الإمارة في عهد الأمير (فقي أحمد)، مؤسس الأسرة البابانية الأخيرة. إستمر فيها الحُكم الباباني الى سنة 1608 م. الآن هي عبارة عن قلعة كبيرة في مدينة (قەلادزه).

7. ماوەت: كانت مركزاً للإمارة من سنة 1608م الى 1619م. في الوقت الحاضر هي مركز لناحية تابعة لِ(شارباژێر) في محافظة السليمانية.

8. قەڵاى بكراو: إستمر فيها الحُكم كمركز للإمارة الى سنة 1627م.

9. قەڵا چواڵان: إتُخذت مركزاً للإمارة في فترة حُكم الأمير (محمود پاشا) وذلك خلال الفترة الممتدة بين سنة 1669 - 1784 ميلادية.

10. مدينة سنه (سەنەندەج): تقع في إقليم شرق كوردستان. كانت مركز حُكم الإمارة في سنة 1719 - 1730 م خلال حُكم كل من (سليمان پاشا بَبه) و(محمد پاشا) وغيرهما.

11. السليمانية: مركز الإمارة خلال سنة 1847- 1850 م، حيث أنها أصبحت عاصمة للإمارة بعد بنائها وحتى سقوط إمارة بابان.

نظراً لضيق مدينة (قەڵا چواڵان) التي كانت عاصمة إمارة بابان قبل إنتقالها الى مدينة السليمانية، ولموقعها المنزوي خلف جبل (گوێژە)، ولِقُربها من الحدود الإيرانية وتعرّضها لهجماتها المستمرة، قام الأمير (إبراهيم پاشا بابان) بإنشاء مدينة السليمانية التي تمّ إكمال بنائها في سنة 1784 ميلادية وأصبحت عاصمة الإمارة البابانية. إستناداً الى دراسة (مستر ريچ [11]، كان عدد سكان مدينة السليمانية في سنة 1820 ميلادية حوالي (15000) خمسة عشر ألف نسمة، منهم (800) يهودي، و (100) مسيحي. كان عدد بيوت السليمانية في ذلك الوقت (2144) بيتاً، بِضمنها (130) بيتاً يهودياً و(9) بيوت كلدانية و (5) بيوت أرمنية وكنيسة خاصة بالمسيحيين. كما أنه آنذاك كانت في مدينة السليمانية (5) خانات و (5) حمّامات و(5) مساجد وحمّام خاص للحاكِم، الى جانب عدد من المباني الخاصة بِدار إمارة بابان نفسها. قام البابانيون بِبناء المدارس في كوردستان، كما أنهم بنوا المكتبات في مناطق عديدة من الإمارة، من ضمنها في (قەڵا چواڵان).

صفات وخصال البابانيين

إن أبناء هذه الأسرة شأنهم في ذلك شأن أبناء الشعب الكوردي، كانوا يتسموببعض

 الصفات المتميزة، مثل الشجاعة والبسالة والإستقامة والإخلاص وعزة النفس والكبرياء المفرطة لدرجة الغرور والغطرسة في بعض الأحيان.

      كما أن البابانيين كانوا مولعين بالفروسية وإستعمال السلاح. كانوا من هواة الرياضة، مثل المصارعة وغيرها والتي كانوا يمارسونها في الزورخانة وفي الملاعب. كانت للمرأة منزلة عالية عند البابانيين، حيث كانوا يحترمون المرأة وأن ظاهرة تعدد الزوجات كانت معدومة في مجتمعهم وهذا يعود على الأرجح الى خلفيتهم الدينية اليارسانية، حيث أن هذا الدين يمنع الزواج من أكثر من إمرأة واحدة، لذلك برزت نساء من الأسرة البابانية اللواتي لعبن دوراً كبيراً في الحياة السياسية والإجتماعية.

التجارة والزراعة والصناعة

أصبحت مدينة السليمانية في أوائل القرن التاسع عشر مركزاً تجارياً مهماً لوقوعها في طريق تجارة الحرير، حيث كانت لها علاقات تجارية مع كل من بغداد وكركوك والموصل وسنه وهمدان وتبريز وأرضروم ومصر. كانت إمارة بابان تُصدّر الحنطة، التبغ، الجبن، السمّاق، الصابون، العسل، العفص، الفواكه، الرز، الجوز، الحرير الطبيعي والأغنام، بينما كانت تستورد التمر، القهوة، الأقمشة، البضائع الهندية، الأحذية، الجلود، المصنوعات اليدوية، النحاس والحديد. كانت بغداد تستورد الخشب من الإمارة عن طريق نهر (سيروان).  كانت الصناعات اليدوية متطورة في الإمارة وكذلك صناعة مواد البناء والأسلحة. كان البابانيون يصنعون المدافع والسيوف والخناجر و مستلزمات عسكرية أخرى بمساعدة خبراء روس [2]، [3].

الأدب والشعر والفن والطب كان الأدباء والشعراء والأطباء الشعبيون والفنانون موضع رعاية وإهتمام االحكام البابانيين، فكانوا يساعدونهم مادياً ويشجعونهم، ونتيجة لهذه الرعاية والإهتمام، برز شعراء كبار في عهد الحُكم الباباني، أمثال (ملا خضر نالي) و(حاجى قادر كۆيى) و(شيخ رەزا تاڵەبانى) و(مصطفى بەگ كوردى).

أسباب سقوط إمارة بابان

معاهدة أرضروم بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية:

 إن السبب الرئيس لسقوط إمارة بابان و الإمارات الكوردية الأخرى، هو هذه المعاهدة، حيث أنه بعد إبرام المعاهدة المذكورة، أوعزت السلطات العثمانية إلى والي بغداد (رشيد پاشا) الملقب ب(گويزلكي) الذي يعني (صاحب النظارات) باللغة التركية، بإبعاد الأمير الباباني (أحمد پاشا) إلى الإستانة ونفي جميع أفراد الأسرة  البابانية الحاكمة الى المناطق التركية من الإمبراطورية

العثمانية للحيلولة دون محاولتهم إستعادة حُكمهم وسلطتهم من جديد وبالتالي إحياء إمارة بابان.

2. القوى الخارجية: كان للحكومة الفارسية والعثمانية دور حاسِم في إضعاف نفوذ إمارة بابان وساهمتا بشكل كبير في إسقاطها، حيث تمكن العثمانيون من إستقطاب عشائر كوردية كبيرة من خلال إستغلال الدين الإسلامي بالإدّعاء بأنّ الأتراك هم خلفاء المسلمين وظل الله في الأرض، ولذلك يجب أن تتمّ إطاعتهم، حيث أن أيّة معارضة لهم تعني عدم إطاعة الله ومخالفة الشريعة الإسلامية. لهذا السبب إصطفّ معظم رجال الدين الكورد الى جانب الدولة العثمانية. مقابل خدمات هؤلاء الكورد، منحت الحكومة العثمانية شيوخ الدين الكورد والإقطاعيين الكورد المؤيديين لهم والمتحالفين معهم، بعض الإمتيازات التي ساهمت في كسب نفوذهم الى جانب العثمانيين. كما أنّ لغة الترهيب التي إستخدمتها الدولة العثمانية ضد بعض العشائر الكوردية، ساهمت أيضاً في إجبار قسمٍ آخر من هذه العشائر على تأييد ودعم الحكومة العثمانية. هكذا تحالفت عشائر كوردية كبيرة مع العثمانيين، مثل عشيرة (جاف) و(بلباس) ضد إمارة بابان وكان لهذا التحالف دوراً كبيراً في إسقاط الإمارة.

3. الصراعات الداخلية بين الأمراء البابانيين: التنافس على السلطة بين الأمراء البابانيين، لعب دوراً مهماً في انهيار هذه الأمارة. على سبيل المثال حصول صراع بين الأمير أحمد پاشا الذي كان يحكم الإمارة، والأمير علي بن محمد بن عبد الرحمن بابان الذي إعتنق المذهب الشيعي والذي كان يدّعي أحقيته في الجلوس على عرش الإمارة، حيث إضطرّ الأمير (أحمد پاشا) الى ترك الحُكم لمدة سنة واحدة (1841 – 1842م)، وتولى الحُكم عمّه (محمود پاشا) بِمساعدة القوات الفارسية. بعد مرور حوالي سنة واحدة، إستطاع الأمير (أحمد پاشا) طرد عمّه (محمود پاشا) عن طريق القوة العسكرية وإستعاد حُكمه من جديد في سنة 1842 ميلادية [17].

4. ظهور عوائل وعشائر قوية مُنافِسة للأسرة البابانية: ظهرت عوائل وعشائر قوية، مثل عشيرة (جاف) و(بلباس)، التي أخذت تنافس أمراء بابان على السلطة وتتمرد على سلطات الإمارة.

5. إنشاء جيش عصري باباني كبير: من الأسباب الأخرى لسقوط الإمارة، هو قيام بعض الأمراء البابانيين بإنشاء جيش عصري كبير، يمتلك أسلحة متطورة قياساً بذلك الوقت، واستعانتهم بِخبراء روس وفرنسيين لتنظيم هذا الجيش وتدريب أفراده، وإنشاء معامل لصنع الأسلحة والمعدات والذخيرة الحربية. هذه التطورات العسكرية أقلقت الحكومة العثمانية وولاة بغداد، ولذلك قرروا إسقاط الإمارة.

6. الأزمة الإقتصادية: كانت إمارة بابان تعاني من أزمة إقتصادية متسببة عن الأوضاع السياسية غير المستقرة فيها. هذه الأزمة ساهمت في إنهيار إمارة بابان  وسقوطها.

هكذا سقطت الإمارة البابانية التي حكمت شرق كوردستان لمدة تبلغ 194 سنة

 (1202- 1396 م) وحكمت جنوب كوردستان بصورة متقطعة لمدة 300 سنة (1550-1850م).

المصادر

1.عبد القادر رستم الباباني. تاريخ وجغرافية كردستان – سير الأكراد. 1871، (باللغة الفارسية).

2. جمال بابان (1993). بابان في التاريخ ومشاهير البابانيين.

3. حسين ناظم بك (2001). تأريخ الإمارة البابانية.

4. مأمون بن بيكه بك (1980). مذكرات مأمون بن بيكه بك. ترجمة محمد جميل روژبياني وشكور مصطفى، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، صفحة 16.

5. توفيق وهبي بك: الآثار الكاملة. إعداد: رفيق صالح، الجزء الاول. سليمانية، 2006.

6. المصدر السابق، صفحة 214.

7. فاضل عبد الواحد علي (1975). الطوفان في المراجع السماوية. صفحة 64.

8. توفيق وهبي بك: الآثار الكاملة. إعداد: رفيق صالح، الجزء الاول. سليمانية، 2006، صفحة 245.

9. شرفخانى بدليسى (1982). شرفنامه. وەرگێڕانی هەژار، كۆڕی زانیاری كورد، چاپی دوهەم، چاپخانەی جەواهیری، تاران.

10. سيد عبد الصمد توداري (1686). چەمكێكی مێژووی هەورەمان و مەریوان. وەرگێڕانی لە فارسییەوە بۆ كوردی لەلایەن محەمەدی مەلا كەریم 1970. بەغداد. 

11. كلوديوس جيم ريچ (2008). رحلة ريج؛ المقيم البريطاني في العراق عام 1820 إلى بغداد - كردستان- إيران. ترجمة بهاء الدين نوري، الدار العربية للموسوعات.

12. نەوشیروان مستەفا (1998). میرایەتی بابان لە نێوان بەرداشی ڕۆم و عەجەمدا. چاپی دووەم، چاپەمەنی خاك، سلێمانی، لاپەڕە 36.

13. المصدر السابق، صفحة 45.

14. مەحەمەد حەمە باقی (2002). میرنشینی ئەردڵان، بابان، سۆران لە بەڵگەنامەی قاجاریدا 1799 – 1847 ز. چاپی یەكەم، چاپخانەی وەزارەتی پەروەردە، هەولێر، لاپەڕە 42-46.

15. المصدر السابق، صفحة 69.

16. المصدر السابق، صفحة 69-118.

17. عبد القادر رستم الباباني (1871). تاريخ وجغرافية كردستان- سير الأكراد. صفحة 151. (باللغة الفارسية).

18. شێخ محمدى خاڵ و ئومێد ئاشنا (2003). دیوانى شێخ رەزاى تاڵەبانى.

* (كانی ئاسكان) تعني (نبع الغزلان) وهي تقع في مدينة السليمانية.

 

 

 

 


إمارة بابان الكوردستانية (1649- 1851) مهدي كاكەيي Reviewed by Yekîtiya Nivîskarên Kurdistana Sûriya on يوليو 31, 2026 Rating: 5 إمارة بابان الكوردستانية (1649- 1851) مهدي كاكەيي مهدي ك P Ê N Û S A   A Z A D –  H I J M A R / 25 / 2 0 26 اكە ...
Next
This is the most recent post
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات: