إرجاع الزمن يدويا
كان في الساحة يومها، في ربيع 2011، يحمل
لافتة أخفّ من قلبه وأثقل من الرصاص، لم يكن يهتف كي يسمع صوته، بل ليقنع الزمن أن
يتقدّم خطوة، حين اخترقت الرصاصة رأسه، لم يسمع دويّها، سقطت الدنيا دفعة واحدة، وأُغلق
بابٌ طويل اسمه الوعي ،خمسة عشر عاما مرّت وهو في غيبوبة .
المدن تغيّر جلدها مرارا، والخرائط تداخلت،
والأسماء تكسّرت ثم أُعيد لصقها.
في
2026 فتح عينيه أخيرا، كما لو أن الغيبوبة كانت جفنا ثقيلا على قرن كامل، الضوء بدا
غريبا، لا يشبه الضوء الذي تركه، والممرض نطق باسم البلد فارتجف: سوريا.
خرج من المستشفى متكئا على ذاكرة قديمة، يبحث
عن مدينة كان يحفظ شوارعها مثل قصيدة، رأى وجوها متعبة تحمل هواتف أكثر مما تحمل أحلاما،
ولافتات جديدة بلغة خشنة ،خشبية، أين اختفت
نساء هذا البلد؟ مظاهر لا تشبه مدينته ، سأل عن المكتبة التي كان يرتادها، فقيل له
إنها صارت مخزنا، سأل عن المقهى الذي كان يناقش فيه كتب الفلسفة، فقيل له إنها
أصبحت مستودعا للمعونات، والمدارس أصبحت مأوى للنازحين.
كان مثقفا، يؤمن بأن الثورة ليست صرخة فقط،
بل مدرسة طويلة، وهو نائم، كان يحلم بسوريا تشبه سنغافورة: نظام يحترم العقل، شوارع
تُدار بالحساب لا بالخوف، دولة تُكافئ العمل وتعتذر حين تخطئ، كان يرى الثوار بنّائين،
لا حفّاري قبور، ويظن أن الألم، مهما طال، سيتحوّل خبرة.
لكن البلاد التي استيقظ عليها بدت كأنها مشت
إلى الخلف، تجرّ ظلّها، مدنية منقوصة، حداثة مشوّهة، وأسئلة تُعاقَب لأنها أسئلة ،
شعر أن الرصاصة لم تُصِب رأسه فقط، بل أصابت الساعة أيضا، فأعادت عقاربها إلى الوراء.
جلس على درج قديم، أخرج دفتراً وجدَه في جيبه
"هو نفسه الذي حمله يوم المظاهرة وقلب صفحة بيضاء. كتب:
"لم نخطئ حين حلمنا، الخطأ أن نترك الحلم
وحيدا في الشارع"
رفع رأسه، تنفّس بعمق، وابتسم ابتسامة خفيفة،
كمن يقرّر أن يبدأ من جديد، فالثقافة التي أنقذته من الموت مرة، قد تنقذ البلاد ،ولو
بعد حين.

ليست هناك تعليقات: