الفرق بين دين يارسان والدين الإسلامي - مهدي كاكەيي
أ. تاريخ الكاكائيين يعود الى أكثر من (4000) سنة من الآن، وكانوا يعتنقون الدين اليارساني وكانت لهم مملكة بإسم (مملكة كاكەيي) في سنة (1800) قبل الميلاد، أي (2400) سنة قبل ظهور الإسلام وفي ذلك الوقت لم يكن العرب معروفاً في التاريخ، فكيف إذن يتم ربط الكاكائيين بالعرب والإسلام، في الوقت الذي يكون الكاكائيون أعرق من العرب وأن دينهم اليارساني هو أعرق من الدين الإسلامي؟!
ب. لو نقارن قصة خلق الحياة والكون في الدين اليارساني مع أسطورة خلق الكون السومرية، نرى تطابق القصتَين بشكلٍ تام وهذا يؤكد على عُمق الدين اليارساني في التاريخ وعلى جغرافيته الكوردستانية، فكيف يمكن ربطه بِدين عمره 1400 سنة فقط والذي ظهر في الجزيرة العربية، خارج كوردستان. كما أن صيام اليارسانيين في منتصف الشتاء يربط اليارسانيين بالميثولوجيا السومرية والخورية، حيث يصومون للتخلص من ظلام الليالي الشتوية الطويلة ومن قساوة برودة الشتاء وقدوم فصل الربيع، حيث الدفء والضياء وإحياء الطبيعة.
ت. يذكر الأستاذ (محمد جميل رۆژبەیانی) أنّ مُجدد دين يارسان (سان سهاك) هو نفسه (أستیاگ) الذي كان آخر ملوك الإمبراطورية الميدية (محمد جميل رۆژبەیانی، بندنجین مندلي في التاریخ قدیماً و حديثاً. گۆڤاری كۆڕی زانیاری كورد، بەشى 7، لاپەڕە 429)، حيث أنّ مزار (دوكان داود) الذي هو مقدّس عند اليارسانيين يضم ضريح ملِكَين ميديين، هما (كَيخسرَو) و(أستیاگ). قُدسية هذين الضريحَين عند اليارسانيين لها دلالة عظيمة، حيث أن الدين اليارساني كان الدين الرسمي للإمبراطورية الميدية. هذا يدل على عراقة الدين اليارساني الذي كان موجوداً في العصر الميدي، فكيف يربطه الكاكائيون المتأسلمون بالدين الإسلامي؟
ث. إنّ (برزنجة) هي قرية تقع على بُعد 55 كيلومتر شمال شرق مدينة السليمانية وأنّ مَن يسكن هذه القرية لا يعني أنه سيّد ونسبه يعود الى أئمة الشيعة. (برزنجة) قرية كوردستانية لا علاقة لها بالعرب والمسلمين.
ج. هناك مجدّدون للدين اليارساني الذين سبقوا آخر مُجدد لِدين يارسان، (سان سهاك) مثل (بالوولی ماهی) الذي عاش في القرن الثامن الميلادي وهو من لورستان. (شاخۆشین) المولود في (هۆرین شێخان) وثم إنتقل الى (هەورامان)، وهو عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، وهذا يعني أنه سبق (سان سهاك) بِ(300) سنة، حيث أنّ (سان سهاك) عاش في القرن الرابع عشر الميلادي. عاصر (شاخۆشین) الشاعر اليارساني (بابا طاهر همداني). عزف (شاخۆشین) على الطنبور وأدخله في المجالس الدينية اليارسانية. مما تقدم يتبين أنّ (سان سهاك) ليس الشخص الذي أوجد الدين اليارساني، بل كان هذا الدين موجوداً قبله وقام هو بِتجديده.
ح. أصل عائلة (سان سهاك) هو من همدان، حيث إنتقل والده من همدان إلى (شهرزور) في جنوب كوردستان في خضم الهجمات المغولية التي أدت إلى سقوط الدولة العباسية في سنة 1258 ميلادية. إذاً كيف يكون (سان سهاك) من أصل عربي ومن أحفاد الإمام موسى الكاظم في الوقت الذي تنتمي عائلته الى شرقي كوردستان وهو مولود في شهرزور الواقعة في جنوب كوردستان؟
خ. لو كان الدين اليارساني مذهباً إسلامياً، حتى لو إنحرف عن الدين الإسلامي، لَكان يبقى قسم من الفرائض الإسلامية عند اليارسانيين، إلا أنه لا وجود لأيّ أثرٍ للأركان الإسلامية الخمس في الدين اليارساني كما نرى فيما يلي:
1. الركن الإسلامي الأول هو الشهادة. يقوم اليارسانيون بإعتناق الدين اليارساني رسمياً بعد ولادتهم من خلال إقامة مراسم دينية خاصة بهذه المناسبة، حيث يُردّدون القول التالي باللغة الكوردية (البداية هي يزدان "الله" والنهاية هي يزدان، نؤمن بِدين يزدان)، بينما الشهادة الإسلامية هي: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) والشيعة يضيفون لها (وأشهد أنّ علياً ولي الله). نرى أنه لا ربط بين شهادة الدينَين.
2. الركن الثاني للإسلام هو الصلاة. في الدين اليارساني لا وجود للصلاة، بل أن اليارسانيين لهم مناجاة، يتجهون نحو الشمس عند شروق وغروب الشمس. وهذه المناجاة هي طقس يارساني، كان أفراد القبائل الكاكائية يمارسونه قبل آلاف السنين، وهو مشابه للطقوس السومرية والخۆرية الشمسانية التي كان معتنقوها يعبدون الشمس.
3. الركن الإسلامي الثالث هو صيام شهر رمضان. اليارسانيون يصومون 3 ثلاث أيام في أربعينية الشتاء. مُجدّد الدين اليارساني الأخير، (سان سهاك) إضطر أن يبقى صائماً لمدة (3) ثلاث أيام في أربعينية الشتاء في الكهف الذي إختفى فيه نتيجة ملاحقة أفراد عائلته وأقربائه له بسبب دعوته للدين اليارساني. كما أنّ عيد اليارسانيين بعد إنتهاء صيامهم في أربعينية الشتاء هو إمتداد للعيد السومري والخۆري والهيتي والكاكائي، حيث أنه في هذا الوقت من الشتاء يبدأ النهار بالزيادة ويبدأ طول الليل بالنقصان، وكان السومريون والخۆريون والهيتيون والكاكائيون يحتفلون أيضاً بهذه المناسبة إحتفاءً ببدء نقصان طول الليل (الظلام) وزيادة طول النهار (الضياء). من هنا نرى أنّ عُمر الديانة اليارسانية يبلغ آلاف السنين.
4. الركن الإسلامي الرابع هو حج مكّة. اليارسانيون لا يحجّون الى مكّة، بل يحجّون الى ضريح (سان سهاك) الواقع في هۆرَمان في شرق كوردستان ولا يقومون بالمراسم الإسلامية التي تتم خلال حج مكّة.
5. الركن الإسلامي الخامس هو الزكاة. لا وجود للزكاة في الدين اليارساني، حيث أنّ اليارسانيين يقدمون النذور في إجتماعات دينية خاصة، والتي تتكون في الغالب من الفواكه والفطائر وهذه الطقوس هي طقوس يارسانية، كان أفراد القبائل الكاكائية يمارسونها قبل آلاف السنين، وهي مشابهة للطقوس السومرية والخۆرية الشمسانية.
6. يؤمن دين يارسان بِوحدة الوجود، حيث أنّ كل شيء في الكون هو انعكاس لنور يزدان (الله) وأن ّ يزدان موجود في كل شيء وفي كل مكان، بينما يُعد هذا كُفرًا في الإسلام.
7. يؤمن اليارسانيون بالحلول (انتقال الذات الإلهية الى الإنسان) وتناسخ الأرواح (انتقال الروح الى جسد انسان آخر بعد الموت) وهنا يلتقون بالهندوس والبوذيين الذين يؤمنون أيضاً بتناسخ الأرواح وهذا يشير الى الأصل المشترك لهذه الأديان الثلاثة، بينما لا وجود لتناسخ الأرواح في الدين الإسلامي.
8. دين يارسان ليس ديناً تبشيرياً ولا يتبنى هذا الدين "الجهاد" في سبيل الله.
9. لا وجود للجنة والنار في دين يارسان. عالَمنا الحالي هو جنةٌ لبعض الناس وجحيمٌ لآخرين.
10. لا وجود للشيطان في دين يارسان. الإنسان الشرير والآثم هو الشيطان.
11. في دين يارسان، الشمس والنار مُقدستان، بل إن اليارسانيين يحلفون بهما، وهذا مُحرّم في الإسلام.
12. في الإسلام، لا ينقسم المجتمع إلى طبقات دينية، بينما ينقسم المجتمع اليارساني إلى أربع طبقات دينية: پير، باوه، مام، العامة.
13. الكتاب المقدس اليارساني (سَرَنْجام) مكتوب باللغة الكوردية، بينما الكتاب المقدس الإسلامي هو القرآن ومكتوب باللغة العربية.
14. اليارسانيون يحتفظون بالشوارب، بينما المسلمون يحتفظون باللحية.
15. في الإسلام، يُحاسب الله الناس ويعاقبهم، بينما في الديانة اليارسانية، يسود الحُب بين الخالق والإنسان. يعبد المسلمون الله خوفًا من العقاب، بينما لا يعبد اليارسانيون الخالق، بل هناك حُبّ وعشق بين الخالق والانسان، حيث لا وجود للعبودية في دين يارسان.
16. في الإسلام، إله المسلمين هو مصدر الخير والشر، بينما إله اليارسانيين هو الخير المطلق، وقد وهب الإنسان العقل ليختار الخير والشر بنفسه.
17. في الدين اليارساني يتم التعميد في جعل الشخص اليارساني ينتمي الى دين يارسان بصورة شرعية ورسمية، بينما لا وجود للتعميد في الإسلام.
18. كل يارساني له أخ أو أخت في الدين، بينما يفتقد الإسلام الى هذا النوع من الإخوة.
19. ربّ المسلمين هو (الله)، بينما رب اليارسانيين هو (يَزدان) وله إسم آخر هو (خاوَنكار).
20. في الديانة اليارسانية، (جَمخانه) هي مكان للتجمع الديني وإقامة الشعائر الدينية. يذهب الرجال والنساء إلى ال(جَمخانه) دون تمييز بين الجنسين، بينما يُعدّ المسجد مكان الصلاة للمسلمين، ولا يُسمح إلا للرجال بالصلاة فيه، ولا يُسمح للنساء بالتواجد فيه.
21. الآلات الموسيقية مقدسة في الديانة اليارسانية. قبل استخدامها، يضعها الموسيقار على جبينه ويُقبّلها. هذا يُعدّ تكريمًا خاصًا لهذه الآلة، بينما الموسيقى مُحرّمة في الإسلام.
22. يُعدّ الغناء والرقص في الديانة اليارسانية مصدرًا للفرح والراحة. الموسيقى جزء مهم من ثقافة الدين اليارساني العريق، بينما يُحرّم الغناء والرقص في الإسلام.
23. في الديانة اليارسانية، يتساوى الرجال والنساء ولهم نفس الحقوق في كل شيء، بينما في الإسلام، تُعتبر امرأتان مساويتين لرجُل واحد.
24. في الديانة اليارسانية، لا يجوز للرجُل أن يتزوج أكثر من امرأة واحدة، بينما في الإسلام، يجوز للرجُل أن يتزوج أربع نساء.
25. في الديانة اليارسانية، لا يوجد حجاب، حيث لا ترتدي النساء اليارسانيات الحجاب، بينما في الإسلام، يجب على الفتيات والنساء فوق سن الثالثة أو الرابعة ارتداء الحجاب.
26. يتصافح الرجال والنساء اليارسانيون عند اللقاء أو الزيارة كدليل على الصداقة وتبيان للأخوة، بينما في الإسلام يُحظر المصافحة بين الرجال والنساء.
27. في الدين الإسلامي هناك رسول عربي مُرسَل من الخالِق، بينما لا نبي في الدين اليارساني، حيث أنّ يزدان منح البشر العقل ليختار حياته وأعماله وعن طريق حلول الذات الإلهية يحكم الخالِق البشر، لا عن طريق وكلاء.
28. كوردستان هي موطن الدين اليارساني وأنّ جميع مجدّدي هذا الدين هم كورد، بينما ظهر الدين الإسلامي في الجزيرة العربية وقام العرب بالدعوة له.
29. مُجدد الدين اليارساني (شاخۆشین) مولود في يوم نوروز وبذلك فأنّ عيد نوروز هو عيد ديني لليارسانيين، بالإضافة الى كونه عيداً وطنياً كوردستانياً وعيداً قومياً كوردياً ورأس السنة الكوردية. هكذا نرى ارتباط الدين اليارساني ارتباطاً عضوياً بالشعب الكوردي، لغةً وثقافةً وتراثاً وتاريخاً وعقيدةً، بل أنّ دين يارسان هو روح اللغة والثقافة والمعتقدات والميثولوجيا الكوردية وتراث وتاريخ الشعب الكوردي ويُمثل الهوية والشخصية الكوردية الأصيلة.
هكذا، نرى أن الديانة اليارسانية مُرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالشعب الكوردي ولغته وأدبه وثقافته وتراثه وتاريخه ومعتقداته. في الواقع، تُمثّل الديانة اليارسانية روح اللغة والثقافة والمعتقدات والأساطير الكوردية، وتراث الشعب الكردي وتاريخه، وتُمثّل هويته وشخصيته الأصيلة.
الديانة اليارسانية هي الديانة الكوردية الوحيدة التي كُتبت نصوصها الدينية باللغة الكوردية، ويُعدّ أتباعها، مثل (بالولی دانا)، (شاخۆشین)، (بابا تاهر هەمەدانی)، وآخر مُجدد الدین اليارساني (سان سەهاک) والشاعِرات (دایە تەورێزی هەورامی)، (جەلالە خانمی لوڕستانی)، (ڕەيحان خانمی لوڕستانی)، (فاتمە لوڕەی گۆران)، وعشرات الشعراء اليارسانيين الآخرين، رجالًا ونساءً، رواداً للأدب والشعر الكوردي.
يرتكز الدين اليارساني على خمس مرتكزات أساسية وهي:
1. النظافة: تعني نظافة الجسم والفكر وصدق الوعد وحُسن السلوك.
2. الصدق: يعني إختيار الطريق الصحيح والإبتعاد عن الأعمال السيئة.
3. الإبتعاد عن الأنانية وحب الذات والإنتصار على الرغبات الدنيوية.
4. مساعدة الآخرين والتضحية في سبيلهم والعمل على توفير الرفاهية للناس.
5. عدم إيذاء أو الإضرار بالنار والهواء والماء والتربة والطبيعة والإنسان والحيوانات والنباتات والأشجار والطُرق.
من الجدير بالذكر أنّ اليارسانيين لا يتبعون علي بن أبو طالب وأولاده، كل ما في الأمر هو أنه تمّ إدخال هذه الشخصيات الشيعية الى الدين اليارساني في زمن الصفويين الذين كانوا من الشيعة، حمايةً لليارسانيين من الإبادة والقتل وحفاظاً على إستمرارية هذا الدين. قد يعود أيضاً سبب دخول رموز إسلامية شيعية الى الدين اليارساني الى تأثّر بعض رجال الدين اليارسانيين بالمذهب الشيعي خلال الحُكم الصفوي لهم، حيث كان الصفويون يعتنقون المذهب الشيعي. من الجدير بالذكر أنه تمّ إدخال علي بن أبي طالب وأبنائه الى الدين الیارساني عن طريق تناسخ الأرواح، أي أنّ شخصيات دينية يارسانية يحملون أرواح علي وأبنائه ولذلك هذه الشخصيات اليارسانية لا تمت بالصلة بهذه الشخصيات الإسلامية، بل أنها شخصيات مستقلة وأشخاص آخرون.


ليست هناك تعليقات: