المفاهيم في مصيدة الأيديولوجيا - سعيد يوسف
اللغة بكل تجلياتها وأشكالها إبداع إنساني، هي شيفرة ورموزللتواصل،
وأداة جميلة ومفيدة للتفاعل، ووسيلة إعلامية لتبادل المعلومات، ونقل الأفكاروالخبرات،
وقراءة للأحاسيس والمشاعر في سيمياء الوجوه ونبض الكلمات.
من أسوأ آفاتها التعاطي بالكلمات الجوفاء والضبابية التي تموّه
الحقيقة، وتسيء عما تحمله المفاهيم والتراكيب من بعد إنساني ومعاني نبيلة، وقيم أخلاقية
سامية، وأفكار عقلانية منطقية واضحة.
ولقد لعب فلاسفة اللّغة دوراً مهمّاً وملفتاً بشأن ذلك حيث كشفوا عما يمكن
أن تلعبه اللغة من خلق أفكاروهمية, ومعاني
زائفة لا وجود لها إلا في رؤوس أتباعها.
من هنا ضرورة وضوح اللغة، والاتفاق على ما تعنيه المفاهيم والمصطلحات،
تجنّباً لأي إشكال وسوء فهم وتأويل.
كما أنّ للفيلسوف الفرنسي جاك درّيدا رائد الفلسفة التفكيكية وغيره اسهام
فعّال في تعرية النصوص، فاستراتيجية التفكيك هوالعمل على تفتيت الخطاب وتفجيره من
الداخل وكشف ألاعيبه وما يمكن أن يتستر عليه من المعاني والدلالات.
بهذا الخصوص يمكن الإشارة إلى مفاهيم وأفكار كثيرة ضمن منظومة الحقل
الثقافي لفلسفة الأمّة الديموقراطية التي تعمل على زحزحة المفاهيم وإخراجها عن
سياقها الفكري الاجتماعي وتوليفها بأغلفة أيديولوجية دوغمائية مغلقة ونهائية تحظّر
التأويل والاجتهاد (علماً أنّ الأيديولوجيا بمعناها الإيجابي هي علم الأفكار) فيما
يقف أتباعها والمؤمنون بها وقفة خشوع وكأنهم في حضرة المقدّس/ الطوطم الذي يحرّم
لمسه في حين هم أنفسهم من قاموا بصنعها ومع ذلك لا يتوانون عن عبادتها.
ما من شك أنّ المفهوم المؤدلج
يتميز بطراوةٍ في الشكل، وينبض بشحنات عاطفية في مضمونه، مما يضفي عليه بعداً رمزياً وهالة
سحرية ومفعولاً مخدّراً يهيّج الانفعالات وهذا ما يجعله مناسبًا لوعي الجماهير
وتجييشها.
أخوة الشعوب، الأمة الديموقراطية، ديموقراطية الشعوب، ژنولوجيا وغيرها
كثير لا أعتقد أنّ أحداً يقف على الضدّ من مبدأ الأخوة. ما أودّ قوله بخصوص هذا
المبدأ وغيره مما سبق من المصطلحات التي تتجاوز حمولة المفهوم اجتماعياً
وإنسانيّاً ، أو تعمل على تفريغه من الطاقة والشحنات الإيجابية بمعنى ان الخطأ
يبدآ عندما يحول هذا الشعار من مبدأ إنساني اجتماعي الى شعارأيديولوجي استراتيجي
قطعي يقفز على الحقوق القومية للشعب الكوردي.
أن تطلب الأخوّة ممن اغتصبوا
أرضك وينكرون عليك كامل حقوقك، ويعملون دون تفويت أية فرصة على سحق هويتك وإبادتك!
هنا يبدأ الشطط ويقع التجيير.
إنّ تجريد المفهوم وتفريغه من محتواه بهذا الشكل هو خدمة مجانية للمعتدي,
ومع ذلك قد يتحجج البعض بغرضية المفهوم واستخدامه كتكتيك وأداة توظيف مرحلية, أيّاً
كانت النوايا، فقد أثبتت الوقائع الأخيرة والأحداث المأساوية في حلب وكوباني وشرق
الفرات، الفشل الذريع للفلسفة المعنية وبؤسها وسقوطها عند أوّل اختبار حقيقي على أرض
الواقع وهذا يعني تماما أن الحاضنة الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية غير
مهيأة لإستضافة هذه الفلسفة اليوتوبية.
الإسلاميون طرحوا مبدأ " إنما المؤمنون أخوة" وبهذه القضية المنطقية
على المستوى العقائدي استبعدوا غير المؤمنين من دائرة الأخوة، فقط أبقوا على
المؤمنين، أمّا (الكفّار) المفهوم الثنائي المقابل للإيمان، فليسوا من الأخوّة
وبالتالي ربّما هم في دائرة الخطورة، هذا المفهوم ما زالت السلطات المستعمرة
لكوردستان تستغله وقت الحاجة، سلطات أنقرة مثلاً تدعي أن الأتراك والكورد أخوة في
الدين ولا فرق بينهما، ولكن عندما يتعلق الامر بالحقوق الثقافية أو القومية
للكورد، فإنّ ذلك يعد خيانة، وتجاوزاً للمحظور لأنّ الجميع في تركيا حسب الدستور ينتمون
إلى الأمة التركية.
هذا ناهيك عن مفاهيم أخرى كثيرة ضمن منظومة الفكر الديني الإسلامي
التي وظّفت على مرّ التاريخ وتوظّف إلى الآن في خدمة السياسة والأيديولوجيا.
بقناعتي لا أجد أنّ الكورد بحاجة إلى الأيديولوجيا لسبب وجيه، لأن حقوقهم
واضحة وجلية، وتمتلك مشروعية الكفاح من أجل إحقاقها.
الحكم أعلاه يسري أيضاً على كل
مفاهيم المذاهب السياسية الشمولية الموارية والمخاتلة.
لقد هدرت الأحزاب اليسارية الكوردية في سوريا تحديدًا عقوداً من السنين
وهم يتداولون مفاهيم الماركسية اللينينية والمصطلحات الشيوعيه باسم نضالٍ مزعوم،
مع اعترافنا بوجود مسوّغات لذلك التوجّه - لكنها تحوّلت أحيانًا كثيرة إلى موضة وهوس
ثقافي أكثر من كونها أداة فكرية علمية يُستعان بها لتفسير الواقع الاجتماعي والسياسي
- حيث وجود المعسكر الاشتراكي، والإتحاد السوفياتي كقوة عظمى يعقد عليها الآمال، في
الدفاع عن حقوق الكورد كقضية شعب يكافح من أجل الحرية وتقرير المصير.
أنّ إعادة التجربة مرّة أخرى، وبإسم الأمّة الديموقراطية وهي أمّة
وهمية غير موجودة، ولا وجود حتى لدولة على مستوى العالم كلّه تتبنى هذه
الأيديولوجيا ذات الطابع الفكري التجميعي، والتي ربّما كان من الممكن في حال وجود
دولة ما الرهان على كسب التعاون معها كحليف مؤازر، وما سوى ذلك ليس إلا مغامرة بائسة
نتائجها الإفلاس والهزيمة.
من هنا نرى عقم الرهان على الأيديولوجيات الشمولية، كحل للقضية
الكوردية المشروعة أصلًا وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الانسان وهذا بحدّ ذاته كافٍ
للنضال السياسي التحرري الكوردي، هذا من جهة، من جهة أخرى يستوجب على العقل
السياسي والفكري الكوردي ممارسة النقد العقلاني للمفاهيم السياسية وتحليلها قبل
استخدامها، تلك المفاهيم التي تحوّل الجماهير إلى عبيد ورعاع تردد الشعارات الجوفاء
آلياً وبدون فهم لما تكرره ببغائياً.
كفى تدليساً وضياعاً وهزائم ولعباً بالعبارات التي لم نجن من ورائها
سوى الخيبة والانكسارات وهدر الطاقات، فلقد ولّى زمن السرديات الكبرى كما قالها ذات
مرّة الفيلسوف الفرنسي جان فرنسوا ليوتار.

ليست هناك تعليقات: