الموجة العاتية للرّسام هوكوساي: من ثقافة الجماهير في فترة "إيدو" إلى ورقة الألف "ين" بقلم: فوجيوارا تومويوكي ترجمة: عمر رسول - اتحاد كتاب كوردستان

728x90 AdSpace

شائع
الأحد، 15 فبراير 2026

الموجة العاتية للرّسام هوكوساي: من ثقافة الجماهير في فترة "إيدو" إلى ورقة الألف "ين" بقلم: فوجيوارا تومويوكي ترجمة: عمر رسول


الموجة العاتية للرّسام هوكوساي:من ثقافة الجماهير في فترة "إيدو"إلى ورقة الألف "ين"
بقلم: فوجيوارا تومويوكي
ترجمة: عمر رسول

 Pênşûsa Azad23

كانت لوحة «الموجة العاتية» The Great Wave off Kanagawa )  ) للفنان هوكوساي، في الأصل عملاً فنياً أُنتِج بكميات كبيرة وتداوَلَه الناس في اليابان في القرن التاسع عشر، كجزءٍ من سلسلةٍ ناجحة تُصوّر جبل فوجي، ثم صارت تُعدّ تحفةً فنيةً لدى الفنانين وجامعي التحف في الغرب، وأصبحت رمزًا دوليًا. وهي تظهر اليوم على أحدث ورقة نقدية يابانية من فئة 1000 ين.

 


الموجة التي اجتاحت العالم

«ست وثلاثون منظرا لجبل فوجي» هي سلسلة من مطبوعات *أوكييو-إي* للفنان كاتسوشيكا هوكوساي (1760–1849)، الذي كان في السبعينيات من عمره عندما أبدعها. وتزامنًا مع زيادة الاهتمام بالحج إلى الجبل المقدّس بين سكان مدينة إيدو (طوكيو حاليًا)، حقّقت السلسلة نجاحًا فوريًا، مما أدى إلى إضافة عشر مطبوعات أخرى. رسّخت السلسلة مكانة صور المناظر الطبيعية «للأماكن الشهيرة» كنوعٍ شعبيّ، وألهمت جيلًا من المتابعين الموهوبين، بمن فيهم أوتاغاوا هيروشيغي. كانت تحفة هوكوساي معلمًا بارزًا في تاريخ الفن الياباني — معلمًا امتدّ تأثيره إلى خارج اليابان تقريبًا فور ظهوره.

 

استمدّت السلسلة إلهامها من جبل فوجي الذي ظلّ رمزًا لليابان لقرونٍ طويلة، وأُدرِج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2013، وزيّن صفحات جوازات السفر اليابانية منذ ذلك الحين. تتكوّن هذه السلسلة من صور مركّبة ببراعة، تصوّر الجبل من قريب ومن بعيد، غير أنّ صورةً واحدةً منها تركت انطباعًا خالدًا لدى الناس حول العالم: منظر الجبل كما يُرى من أسفل الموجة العاتية قبالة «كاناغاوا». وقد تم اختيار هذه المطبوعة — جزئيًا بسبب شهرتها الدولية — لتكون تصميمًا للأوراق النقدية الجديدة من فئة 1000 ين التي ستدخل التداول في تموز/يوليو 2024.


كاتسوشيكا هوكوساي، الموجة العاتية قبالة كاناغاوا، من مجموعة «ستة وثلاثون منظرًا لجبل فوجي» (حوالي عام 1832) — (بإذن من متحف سوميدا هوكوساي).

 

تُظهِر المطبوعة ثلاثة قوارب صيد تتقاذفها أمواجٌ هائجة، وكأنّها على وشك أن تبتلعها موجة عملاقة، بينما تبدو قمة الجبل المقدّس سامقةً وهادئةً في الأفق البعيد. ظهرت الصورة، المعروفة عالميًا باسم «الموجة العاتية»، على طابعٍ بريدي فرنسي وعلى جدران مجمّعٍ سكنيٍّ ضخمٍ في موسكو. وأصبحت جزءًا من الثقافة الجماهيرية العالمية، مألوفةً لملايين الأشخاص الذين لم يزوروا اليابان قط ولم يسمعوا باسم الفنان.

 

تعكس الأسعار في سوق الفن الدولي سمعة وشعبية أعمال هوكوساي. ففي عام 2024، بيعت مجموعةٌ كاملة من 46 مطبوعة من السلسلة في مزادٍ أمريكي مقابل 3.6 مليون دولار. ولعلّ الأكثر إثارةً للإعجاب أنّه في العام السابق بيعت نسخةٌ واحدة من «الموجة العاتية» وحدها مقابل 2.8 مليون دولار. كانت هذه نسخةً مبكرةً أُنجِزت قبل أن تبدأ القوالب الخشبية بالتآكل جراء الاستخدام المتكرر؛ إذ يُقدّر هواة الجمع مطبوعات الجيل الأول لوضوحها ودقتها. ومع ذلك، كان هذا سعرًا مذهلًا لنسخةٍ أُنتِجت في الأساس بمئات النسخ.


لوحة «ستة وثلاثون منظرًا لجبل فوجي» للفنان هوكوساي معروضةٌ في دار مزادات بنيويورك في 17 أيلول/سبتمبر 2023. (© جيجي برس)

 

تأثير الموجة على الطليعة الأوروبية
 
تعود الشعبية العالمية لموجة هوكوساي إلى معرض باريس عام 1867، الذي مثّل «الظهور الأول» لليابان الحديثة على المسرح العالمي، بعد أكثر من قرنين من العزلة عن الشؤون الدولية. وقد أذهلت معارض أوكييو-إي وغيرها من الفنون اليابانية الأوروبيين بموضوعاتها الغريبة وأسلوبها المختلف. وزاد الإعجاب بالفن الياباني في معارض لاحقة أعوام 1878 و1889 و1900، ملهمًا ما عُرف في الغرب بـ الجابونية -  Japonisme و(الجابونية: مصطلح فرنسي صِيغ أواخر القرن التاسع عشر لوصف افتتان الغرب بالفن والتصميم الياباني — المترجم).
 
كان الرسم الأكاديمي في فرنسا القرن التاسع عشر خاضعًا لتسلسلٍ هرميٍّ صارم، تتربّع على قمّته اللوحات التاريخية ذات المشاهد التوراتية والأسطورية، تليها البورتريهات ومشاهد الحياة اليومية. أمّا المناظر الطبيعية والصور الثابتة فلم تكن تُعدّ جديرةً بالدراسة النقدية الجادّة. غير أنّ مطبوعات أوكييو-إي جذبت الجمهور العادي بفضل بساطة موضوعاتها، التي كانت في الغالب عناصر طبيعية مثل الزهور والحشرات. وألهمت هذه الصور الفنانين الطليعيين الذين استلهموا منها تقنياتٍ جديدة وأثروا بها الحركة الانطباعية الناشئة.
 
كان لـ «موجة» هوكوساي — التي تهيمن فيها الموجة الضخمة على التكوين — أثرٌ بالغ على الفنانين الغربيين. كان فينسنت فان غوخ من أشدّ المعجبين بالمطبوعات اليابانية. وقد كتب إلى شقيقه ثيو عام 1888 واصفًا اللوحة وصفًا حيًّا: «إنك مع هوكوساي تصرخ بالشيء ذاته — ولكن بخطوطه ورسمه، إذ تقول لنفسك: هذه الأمواج مخالب، والقارب عالق فيها، يمكنك أن تشعر بها!».
 
أنتجت النحّاتة الفرنسية كاميل كلوديل منحوتةً تجمع بين موجةٍ عاتيةٍ وثلاث حسناواتٍ كلاسيكياتٍ يستحممن على الشاطئ. كما حملت الطبعة الأولى من موسيقى ) La Mer  البحر) للمؤلف كلود ديبوسي رسم موجة مستوحًى بوضوحٍ من أعمال هوكوساي.
 

         الطبعة الأولى من موسيقى  La Mer للمؤلف ديبوسي (1905).
 
هوكوساي يعود إلى الديار
 
في الأصل، كانت مطبوعات أوكييو-إي نوعًا من الترفيه الرخيص، إذ كان سعرها يساوي تقريبًا طبقًا من معكرونة السوبا، ولم يكن منتجوها يتعاملون معها بالفكرة المعاصرة لـ «الفن». كان نموذج عملهم قائمًا على الإنتاج والبيع بالجملة لأوسع شريحةٍ ممكنة. لذا كان الفنانون وناشروهم يتبعون كل اتجاهٍ رائج، فينتجون صورًا لممثلي الكابوكي والجميلات الشعبيات (على غرار «أصنام البوب» اليوم)، وصورًا لأماكن شهيرة، و«شونغا» أو «صور الربيع» ذات الطابع الإباحي الصريح.
 
لكن مع الانفتاح القسري لليابان على القوى الغربية في خمسينيات القرن التاسع عشر، ومع تدفق التأثيرات الأجنبية، تغيّر المزاج. صار الناس ينظرون إلى الثقافة الشعبية لفترة إيدو (1603–1868) بازدراءٍ باعتبارها غير متطورة وإقطاعية ومخجلة. وعلى النقيض من الغرب — حيث احتفظت موجة «اليابانية» بسحر كل ما هو ياباني — سرعان ما تراجع الاهتمام بـ أوكييو-إي في اليابان نفسها، وتفرّقت مجموعات الأعمال التي أبدعها فنانون كانوا يومًا مشاهير إلى الخارج. ولم يكن هوكوساي استثناءً: بحلول عصر إصلاح ميجي، صارت مطبوعاته تُستخدم لتغليف السلع الأكثر قيمةً المصدَّرة للخارج. ولم يُدرك اليابانيون القيمة الفنية لهذه المطبوعات إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن ذاع صيتها في الغرب.
 
في عام 1999، أي بعد 150 عامًا على وفاته، اختارته مجلة *لايف* ضمن «مائة شخص في الألفية» — وكان الياباني الوحيد في القائمة. واستمرت سمعته العالمية في الازدهار في القرن الحادي والعشرين، إذ نُظمت معارض كبرى لأعماله في القصر الكبير بباريس (2014)، والمتحف البريطاني (2017)، ومتحف بوسطن للفنون الجميلة (2023)، وقد اجتذبت حشودًا ضخمة.
 
وفي اليابان أيضًا، أقيمت معارض متكررة لأعماله في السنوات الأخيرة، وعادت العديد من المطبوعات الجميلة من الخارج. ومن الإنصاف القول إنّ إعادة تقييم هوكوساي في بلده مدينة إلى حدٍّ كبيرٍ للمعجبين الأجانب الذين جمعوا أعماله وصانوها.
 

زار حوالي 350 ألف شخص معرض هوكوساي في القصر الكبير بباريس، في 29 أيلول/سبتمبر 2014. (© رويترز)
 
التأثيرات العالمية في لوحة الموجة العاتية
 
ما سرّ شهرة هذه اللوحة تحديدًا خارج اليابان؟ ربّما يعود أحد الأسباب إلى تأثّر هوكوساي نفسه بفنون غير يابانية، كما تقول أوكودا أتسوكو، كبيرة أمناء متحف سوميدا هوكوساي بطوكيو، التي ساعدت مؤخرًا في تنظيم معرضٍ كبيرٍ بعنوان: «التأثيرات الفنية للوحة الموجة العاتية»، والممتد حتى 25 آب/أغسطس 2024.
الصورة على اليسار: متحف سوميدا هوكوساي قرب مسقط رأس الفنان، وهو مقصدٌ شهير للزوّار من شتى أنحاء العالم. (© Nippon.com). ) والصورة على اليمين: ملصق يعلن عن معرض «الموجة العاتية» (18 حزيران/يونيو – 25 آب/أغسطس). (الصورة مقدّمة من متحف سوميدا هوكوساي).
 
وربما كان أكثر ما يلفت في اللوحة هو الاستخدام المذهل للّون الأزرق الزاهي، الذي أمكن تحقيقه بفضل اللون الأزرق البروسي، وهو اختراع ألماني من القرن الثامن عشر. وفي اليابان عُرف هذا اللون باسم ) Bero-ai الأزرق النيلي البرليني)، وقد أتاح هذا الاستيراد لهوكوساي ابتكار تدرّجاتٍ أكثر حيويةً وجاذبية مما عهده الناس من قبل.
 
كما أنّ رسوماته لجبل فوجي تعتمد منظورًا مستمدًّا من الأسلوب الغربي. ففي «الموجة العاتية» صيغ التكوين بمهارةٍ تخطف نظر المشاهد تلقائيًا، إذ تهيمن الموجة على المقدمة لتقود العين مباشرةً نحو جبل فوجي في الخلفية. وتقارن أوكودا هذه اللوحة بعملٍ سابقٍ لهاكوساي يعود إلى نحو 30 عامًا قبلها، يصوّر منظرًا للبحر قبالة هونموكو في كاناغاوا، وتقول: «يُظهر ذلك العمل المبكر علاماتٍ واضحة على تطوّر الإحساس بالعمق والمنظور، كما نراه متجليًا في اللوحة الأشهر».
 

البحر قبالة هونموكو في كاناغاوا (1804–1807)، «النموذج الأولي» لصورة الموجة الشهيرة. (الصورة مقدّمة من متحف سوميدا هوكوساي).
 
تميّزت بطاقة دعوةٍ لإحدى مدارس رينبا  Rinpa بالرسم المفصّل للأمواج؛ وهي المدرسة التي تعلّم فيها هوكوساي في بداياته. وقد أسهمت هذه المدرسة في تطوير أسلوب ياماتو-إي Yamato-e الزاهي في الرسم الياباني، الذي غالبًا ما استمدّ موضوعاته من الطبيعة. كما تأثّر هوكوساي بواقعية اللوحات الصينية للطيور والزهور huania-hua، مستخدما هذه التقنيات بمهارةٍ في تصوير انحناءة رأس الموجة العاتية وهي تتفتت في الرذاذ.
 
كرّس هوكوساي حياته للفن وكان كثير الترحال، حتى إنّه انتقل من مسكنٍ إلى آخر 93 مرةً خلال 88 عامًا. أبدع بلا انقطاع حيثما حلّ، وخلّف أكثر من 30 ألف عملٍ فنيّ. وقد أشار إلى نفسه ساخرًا بأنه «شيطان الرسم»، وربما كانت هذه الشهية الشيطانية الجامحة هي التي مكّنته من استيعاب أساليب من التراث الياباني والصيني والغربي وصهرها معًا في أعمالٍ تجسّد توازنًا أخّاذًا بين الواقعية والمبالغة لصنع الأثر الفني.
 

في المجمل، أنتج هوكوساي 102 عملًا يصوّر جبل فوجي. فوجي فوق البحر (1834)، من سلسلة «مائة منظر لجبل فوجي»، معروض في متحف سوميدا هوكوساي طوال فترة المعرض. (الصورة مقدّمة من المتحف).
 

لوحة أوتاغاوا هيروشيغي البحر في ساتا، مقاطعة سوروجا (1858)، تحيةٌ متأخرة من رسامٍ بارزٍ لمعلّمه العظيم. (بإذن من المتحف البريطاني).
 
أصبحت لوحة "الموجة" للرّسام هوكوساي من الأعمال الكلاسيكية التي ألهمت عدداً لا يحصى من التكريمات والمحاكاة الساخرة، ولازال الرسامون يستلهمون من أسلوبها وتكوينها حتى الوقت الحاضر.  ففي إحدى المراحل، تم التعامل مع أعمال هوكوساي على أنّها قصاصات ورق لا قيمة لها.  وبعد قرن ونصف، بيعت بملايين الدولارات.  والآن سيتم طباعة صورة لوحته الأكثر شهرة على العملة الوطنية، ليشاهدها الملايين من الناس كل يوم.  كم سيكون الفنان سعيداً برؤية التأثير الذي أحدثته موجته العاتية، والتي تتغير باستمرار مثل البحر، لتأسر خيال الكثير من الناس حول العالم.
 
المصدر: nippon.com –   نُشرت بتاريخ 2 تموز/ يوليو 2024
 
الموجة العاتية للرّسام هوكوساي: من ثقافة الجماهير في فترة "إيدو" إلى ورقة الألف "ين" بقلم: فوجيوارا تومويوكي ترجمة: عمر رسول Reviewed by Yekîtiya Nivîskarên Kurdistana Sûriya on فبراير 15, 2026 Rating: 5 الموجة العاتية للرّسام هوكوساي: من ثقافة الجماهير في فترة "إيدو" إلى ورقة الألف "ين" بقلم: فوجيوارا تومويوكي ترجمة: عم...

ليست هناك تعليقات: