اللغة الأم… هوية لا تُختزل وحق لا يُؤجَّل الكوردية في مواجهة مركزية الدولة السورية - اتحاد كتاب كوردستان

728x90 AdSpace

شائع
الأحد، 22 فبراير 2026

اللغة الأم… هوية لا تُختزل وحق لا يُؤجَّل الكوردية في مواجهة مركزية الدولة السورية


اللغة الأم هوية لا تُختزل وحق لا يُؤجَّل
الكوردية في مواجهة مركزية الدولة السورية

بقلم: شريف علي

في عالم تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتصاعد فيه أسئلة الهوية والانتماء، تبرز اللغة الأم بوصفها آخر حصون الذاكرة الجماعية، وأقوى الروابط التي تشدّ الإنسان إلى جذوره الأولى. ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للغة الأم في عام 2026 ليعيد التأكيد على أهمية حماية اللغات المهددة، في وقت يشهد العالم فيه تحولات سياسية وثقافية عميقة تمسّ مباشرةً قضايا الهوية والحقوق اللغوية.

تُعدّ اللغة الأم أحد أهم المكونات البنيوية للهوية الثقافية والاجتماعية. فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل إطار معرفي تتشكل داخله الذاكرة الجمعية والقيم وأنماط التفكير. وفي سياق الاحتفاء باليوم العالمي للغة الأم، الذي أقرّته اليونسكو في 21 شباط/فبراير من كل عام بوصفه مناسبة لتعزيز التنوع اللغوي وحماية اللغات المهددة، يبرز نقاش واسع حول موقع اللغات داخل الدول وكيف تُعرَّف قانونياً ودستورياً، وما يترتب على ذلك من حقوق ثقافية وسياسية. فالتمييز بين اللغة الرسمية واللغة الوطنية ليس مسألة لغوية فحسب، بل هو انعكاس لطبيعة الدولة ولشكل العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المكونات القومية المختلفة داخل الإقليم الوطني.

فاللغة الرسمية هي اللغة التي تعتمدها الدولة في مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. وتُستخدم في التعليم العام، وفي الوثائق والمعاملات، وفي الخطاب الإداري والإعلامي. وهي لغة ملزمة بحكم القانون، ويُعدّ إتقانها شرطاً للمشاركة الكاملة في الحياة العامة. أما اللغة الوطنية، فهي لغة تعبّر عن هوية جماعة قومية أو ثقافية داخل الدولة، ويُعترف بها بوصفها جزءاً من التراث الثقافي الوطني، دون أن يترتب على ذلك بالضرورة أي التزام قانوني باستخدامها في مؤسسات الدولة. وبذلك، يحمل الاعتراف الوطني طابعاً رمزياً وثقافياً، بينما يحمل الاعتراف الرسمي طابعاً قانونياً ووظيفياً.

وتكشف التجارب الدولية عن تنوّع كبير في كيفية تعامل الدول مع لغاتها الرسمية والوطنية. ففي العراق، تُعدّ العربية والكوردية لغتين رسميتين وفق الدستور، بينما تُمنح لغات أخرى مكانة محلية في المحافظات التي تشكل فيها أغلبية. أما كندا، فتتبنى نموذج الثنائية اللغوية الرسمية بين الإنجليزية والفرنسية، مع الاعتراف بلغات السكان الأصليين كلغات وطنية ذات حماية ثقافية. وفي الهند، تُعترف الدولة بـ 22 لغة وطنية، بينما تُعدّ الهندية والإنجليزية لغتين رسميتين على المستوى الاتحادي. وفي عدد من الدول الأوروبية، مثل إسبانيا وفنلندا وسويسرا، تُمنح اللغات الإقليمية مكانة رسمية أو شبه رسمية في نطاقها الجغرافي، بما يعكس احتراماً للتعدد اللغوي داخل الدولة الواحدة.

اللغة الكوردية بين الاعتراف الوطني والاعتراف الرسمي:

يكتسب التمييز المشار إليه أهمية خاصة عند دراسة وضع اللغة الكوردية في سوريا، حيث شكّلت اللغة عبر عقود طويلة محوراً للجدل السياسي والاجتماعي. فالكورد، بوصفهم مكوّناً قومياً أصيلاً، حافظوا على لغتهم وثقافتهم رغم القيود التي فُرضت على استخدامها في التعليم والإعلام والفضاء العام. وفي عام 2026، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم الجمهوري رقم 13، الذي نصّ على اعتبار اللغة الكوردية لغة – وطنية - ضمن الدولة السورية. وقد مثّل هذا المرسوم تحولاً مهماً في الخطاب الرسمي تجاه التنوع اللغوي، إذ حمل اعترافاً صريحاً بأن الكوردية جزء من الهوية الثقافية السورية، وأنها لغة مكوّن اجتماعي له جذوره التاريخية وامتداده الجغرافي.

إلا أن هذا الاعتراف، رغم أهميته الرمزية، لا يرقى إلى مستوى الاعتراف الرسمي الذي يمنح اللغة حضوراً في مؤسسات الدولة. فاعتبار الكوردية لغة وطنية يعني الإقرار بقيمتها الثقافية، لكنه لا يمنحها صلاحيات قانونية في مجالات التعليم الحكومي أو القضاء أو الإدارة العامة. ومن منظور قانوني، يبقى الفرق بين الاعتراف الوطني والاعتراف الرسمي جوهرياً، إذ إن الأول يندرج ضمن سياسات الهوية والثقافة، بينما الثاني يندرج ضمن بنية الدولة ووظائفها. وبالتالي، فإن المرسوم 13 لعام 2026 يشكل خطوة أولى نحو إعادة النظر في السياسة اللغوية السورية، لكنه لا يغيّر الوضع القانوني للغة الكوردية ما لم يُستكمل بتعديلات دستورية وتشريعية واضحة.

ومن شأن الاعتراف الدستوري برسمية اللغة الكوردية، إن تحقق، أن يفتح الباب أمام تحولات ملموسة في البنية التعليمية والثقافية داخل المناطق ذات الغالبية الكوردية. ففي مجال التعليم الأهلي، سيتيح الاعتراف الرسمي اعتماد مناهج كوردية معترف بها قانونياً، وإصدار شهادات تعليمية معادلة للشهادات الحكومية، مما يمنح المؤسسات التربوية الكوردية شرعية كاملة ويعزز جودة التعليم باللغة الأم. أما على المستوى الثقافي، فإن الرسمية ستمنح المؤسسات المحلية—من مراكز ثقافية ومكتبات وجمعيات فنية—إمكانية الحصول على دعم حكومي، وتنظيم فعاليات باللغة الكوردية دون قيود إدارية، إضافة إلى إدراج اللغة في البرامج الثقافية الوطنية. كما يمكن أن ينعكس ذلك على عمل البلديات والمجالس المحلية، التي ستتمكن من استخدام الكوردية في الوثائق والخدمات العامة، بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم ويجعل اللغة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

إن دراسة هذا المرسوم في سياق اليوم العالمي للغة الأم تكشف عن العلاقة العميقة بين الحقوق اللغوية وحقوق المواطنة. فاللغة الأم ليست مجرد تراث ثقافي، بل هي حق إنساني أساسي. وحمايتها تعني حماية قدرة الفرد على التعبير عن ذاته، وعلى المشاركة في الحياة الثقافية لمجتمعه. كما أن الاعتراف بالتعدد اللغوي يعكس رؤية للدولة بوصفها فضاءً جامعاً لمختلف مكوناتها، لا بوصفها إطاراً أحادياً يفرض لغة واحدة وهوية واحدة. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف بالكوردية لغة وطنية يمكن أن يشكل مدخلاً لحوار أوسع حول بناء دولة تعترف بتعددها، وتمنح جميع مواطنيها حقوقاً لغوية متساوية.

إن التحولات التي يشهدها العالم اليوم في مجال حماية اللغات الأم، وفي تعزيز التنوع الثقافي، تجعل من الضروري إعادة النظر في السياسات اللغوية داخل الدول متعددة القوميات. فالتجارب الدولية تؤكد أن الاعتراف باللغات المحلية، سواء بوصفها لغات وطنية أو رسمية، يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وفي بناء علاقة أكثر توازناً بين الدولة ومواطنيها. وفي الحالة السورية، يشكل المرسوم الجمهوري رقم 13 خطوة في هذا الاتجاه، لكنه يظل خطوة أولى تحتاج إلى استكمال تشريعي ومؤسساتي، كي تتحول من اعتراف رمزي إلى سياسة لغوية متكاملة تضمن للكورد لغتهم في التعليم والثقافة والفضاء العام.

وبذلك، فإن اليوم العالمي للغة الأم لا يمثل مجرد مناسبة احتفالية، بل هو دعوة لإعادة التفكير في مفهوم الهوية الوطنية، وفي كيفية بناء دولة تستوعب تعدد اللغات والثقافات، وتمنح لكل مكوّن حقه في لغته الأم بوصفها جزءاً لا يتجزأ من كرامته الإنسانية ومن انتمائه الوطني. وإن أي تقدم حقيقي في هذا المجال يظل مرهوناً بوضع سياسة لغوية شاملة تُنظّم مكانة اللغات داخل الدولة، وتضمن حقوقاً لغوية متساوية لجميع المواطنين، إلى جانب فتح حوار مجتمعي واسع حول معنى التعدد اللغوي ودوره في بناء دولة عادلة تتسع للجميع.

 ====================================== 21 فبرايــــر 2026 =========

 

اللغة الأم… هوية لا تُختزل وحق لا يُؤجَّل الكوردية في مواجهة مركزية الدولة السورية Reviewed by Yekîtiya Nivîskarên Kurdistana Sûriya on فبراير 22, 2026 Rating: 5 اللغة الأم … هوية لا تُختزل وحق لا يُؤجَّل ا لكوردية في مواجهة مركزية الدولة السورية بقلم: شريف علي في عالم تتسارع فيه التحولات الثقا...
Next
This is the most recent post
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات: