جكرخوين.. نشيد الروح الكردية
حسن جنكو
في الليالي التي كانتِ اللغةُ الكرديةُ تُمنَع من التنفُّسِ، خرج صوتٌ
من أعماقِ الجبلِ ليكتبَ ذاتَه بالنار، لا بالحبر، ويُفصح عن مكنون الرّوح الكردية
وهي تُجلَد وتنهضُ، تُقمع وتغني، تُنفى وتكتب على الرّيح والثلج والحجارة:
"أنا هنا".
ذلك الصّوتُ لم يكنْ سوى جكرخوين. شاعرٌ لا يُلخّصُهُ الشِّعرُ وحدَه،
بل تلخّصُهُ الحكايةُ الكردية بكلِّ فصولها الداميةِ والنابضة، بكلِّ تجلياتها
التي تتأرجح بين الثَّورة والانكسار، بين الحلم والحريق.
ولد جكرخوين لا ليكتبَ الشِّعرَ فحسب، بل ليجعلَ من الشِّعر سلاحاً
ومأوى، من القصيدة خيمةً لقوم مشرَّدين، ومن الكلمة خندقاً يحفره في الأرض وفي
الذات معاً. لم يكن ليتقنَ التَّرفَ اللفظيَّ ولا الزخرفة البلاغية، لأن لغته من
معدن الحياة اليومية، من طين القرى وبساطة الوجع. ولذلك فإنَّ شعرَه لم يكن نخبويّاً،
بل شعبيّاً حتى النخاع، يتسللُ إلى البيوتِ كما تتسللُ الأغنيةُ، ويحمل في كل بيت
من أبياتِهِ أثراً لأقدامِ فلاحٍ أو نداء أمٍّ أو شهقة مقاومٍ في حضنِ الجبل.
في عالمٍ جُعلت فيه الكردية تهمة، كانت أبيات جكرخوين وثيقةَ إدانةٍ
لكلِّ سلطةٍ تحاولُ أن تمحوَ الحروفَ من الألسنة. ومع ذلك لم يكتبْ بلغةِ الحقد،
بل بلغةِ الحياة، لغةِ المحبةِ والنَّزعةِ الإنسانية، وإنْ كان الحزنُ خيمتَه
الأوسع. كان يكتب لأنَّ الصمتَ خيانة، ولأنَّ السكوتَ ليس من شيمِ مَنْ سمعَ
صيحاتِ أمهاتِ ديرسم، أو استغاثاتِ فلاحي آمد، أو شهد حرقَ آلهِ قمشى (ele
qemșê) وقرى الجزيرة من قبل العسف والخذلان.
لكن جكرخوين لم يكن شاعرَ السياسةِ وحدها، بل شاعرَ الإنسان في
تجلِّياته كافة. كتب عن الحب كمَنْ يزرعُ وردةً في ركام، وكتبَ عن الوطن كمن يكتبُ
عن الأم، وكتب عن الدين كمن يفتِّشُ عن الله في عدالةِ الأرضِ لا في فتاوى
السلطان. وكتبَ عن المرأة بوصفها روحَ الحياة لا خادمةً في ظلّ الرَّجل، بل شريكةَ
نضالٍ ووجدان.
جكرخوين لم يكن مجردَ شاهدٍ على عصره، بل كان وثيقةَ ذلك العصر. كان القلبَ الذي ظلَّ ينبضُ في جسدٍ خدَرَتهُ الجراح، وكان الحلمَ الذي قاومَ الغرقَ في العدم. لم يرفعْ سلاحاً، لكنه سلَّح أجيالاً بالمعرفة والكرامة، بالوعي والانتماء.
من هنا تنبع أهميةُ دراسةِ جكرخوين اليوم؛ لا لنستعيدَهُ كتذكارٍ في
متحف، بل لنقرأَهُ من جديد كما تُقرأ مراياُ الذَّاتِ في لحظةٍ مصيرية. فقصائدُه
ليست فقط مرآةً للماضي، بل مصباحٌ للمستقبل. نحتاج أنْ نقرأَهُ لنفهمَ ما الذي
يعنيه أن تكونَ كردياً في عالمٍ يحاولُ أنْ يختزلَكَ في صمتكَ. نحتاج أن نستعيدَ
صوتَهُ لنستردَّ صوتَنا.
في هذه الدراسة لا نقرأُ جكرخوين كمبدعٍ فحسب وإنّما ككائنٍ اندمجَ
بحلمِهِ الجمعي، مدركاً لمأساةِ شعبِهِ، واعياً لما كان يُخطَّطُ له في دوائرِ
رسمِ القرار، من سلبٍ للحقوق، ونكثٍ للعهود، وتقسيمٍ للحدود، وبما يتماشى مع
مصالحِ الأقوياء. فأبى إلاّ أنْ يكونَ شعلةَ نورٍ في ظلمةِ الليل، وصرخةَ التَّحدي
أمامَ لُجَّةِ الطوفان، فاختارَ أن يكونَ في قلبِ المعاناة لا على هامشها،
لنستدلَّ من قصائده الوعيَ القومي، ومن مفرداته نستشرفُ ملامحَ جيلٍ يتلمَّسُ من
بين الأنقاض طريقَ الخلاص. نحاولُ أن نعيدَ قراءةَ هذا الصَّوتِ الأصيل بعيونٍ
معاصرةٍ، تستلهمُ من الماضي ما يعينها على فهمِ الحاضر، وتستنيرُ بالنبضِ الشِّعري
لتفكُّكِ بنيةِ الألم، وتبصُّرِ ملامحِ الأمل.
كان جكرخوين صَدًى مغايراً لما كان يتوقعُهُ المرءُ من إرهاصاتٍ لنفسٍ
كانتْ قد اكتوتْ بنارِ الظُّلمِ والحرمان، فكان يرفضُ الثأرَ والانتقامَ وأشكالَ
التَّعدّي التي من شأنها أنْ تحطَّ من كرامةِ الإنسان، أو تُصيبَه في نفسهِ ومالهِ
أيّاً كان. فكان ردُّ فعله متوازناً في كلِّ شيء، ما يعكسُ منطقَ الإنسانِ الرافضِ
للتمييزِ والاستعلاء، يرفضُ العدوانَ والحرب ولا يعلنُ عنهما إلاَّ على من اعتدى
وبغى، كي يُبعدَ عن نفسِهِ شكَّ التهاونِ والاستسلامِ.
لقد اكتملتْ في نفسه صورةُ الإنسانِ المتفرِّدِ الذي يتطلعُ إلى
مستقبلٍ يتحقَّقُ فيهِ المحبةُ، ويزولُ فيهِ كلُّ أشكالِ القهرِ والقمعِ بحقِّ
الإنسان. يؤمنُ بحقِّ الأفرادِ والشعوبِ في العيشِ بكرامةٍ، وارتضى أن يكون لسانَ
حالِ المظلومينَ أينما كانوا، ما يُنبئُ بأن خارطةَ المفاهيمِ التي رسمها الشاعرُ
جكرخوين، والتي تحدِّدُ أبعادَ رؤيته ونظرتهِ للحياةِ، تجعلنا نُدركُ مفرداتِ
معجمهِ الإنسانيَّةِ التي تُعينُ القارئَ على معرفةِ مبادئهِ وقيمهِ التي آمنَ
بها، وعملَ مِن أجلِها طوالَ حياته، والتي غطَّتْ مساحةً واسعةً من مطولاتِهِ التي
توزَّعتْ على أغلبِ دواوينِه الشعرية. كقوله مخاطباً بول روبسون مغنّيَ السود:
الرفيقُ بول
روبسون مغنّي العالم (١)
داعي السلام
..............
صوتُك
العذبُ نسمعُهُ بيسرٍ وخفَّةٍ
نضالُك
يَمنحُنا الحميَّةَ
نضالُك من
أجلِ الإنسانِ
يهابُك
أصحابُ السلطانِ
............
ألمي
وألمُكَ... هذا الألمُ العظيمُ
سببُهُ
الظلمُ الذي اسْتشرى في العالمِ
الجامعُ بينَ روبسونَ وجكرخوينَ وحدةُ الألمِ الإنسانيِّ، حيث يرى
جكرخوينُ في نضالِ السودِ ضدّ التمييزِ امتداداً لوجعِ الكردِ تحتَ سطوةِ
الاحتلالاتِ. لقد أنشأ بذلك جسراً شعرياً بين نضالينِ، وجعل من قضيتهِ جزءاً من
سرديةٍ إنسانيةٍ أشملَ. قناعةٌ واحدةٌ تشابهَتْ على قاعدةِ مناهضةِ الظلمِ
المبنيِّ على التمييزِ، والدعوةِ إلى المساواةِ عوضاً عن تفشّي داءِ العداءِ
والتوجّسِ. فتآلفت وتناغمتْ صرخاتُهما على مقامٍ واحدٍ ليأتيَ اللَّحنُ بلسماً
شافياً لسمومِ الشوفينيةِ والعنصريةِ.
تجلَّى للرجلِ في مرحلةٍ مبكرةٍ من عمره مآلُ شعبِهِ، وجراحاتهُ التي
تميَّزتْ عن جراحِ الآخرينَ، حتى باتت هاجساً تقلقُه وتؤرِّقُه في حلِّهِ
وترحالهِ، طالما ارتبطَ بقضيةٍ متشابكةٍ ومعقدةٍ، ليكونَ الشاعرُ الثائرُ الذي
يتغنّى بآلامِ شعبِهِ وطموحاتِه، يضعُ الملحَ على الجراحِ، يحرِّضُه على العملِ،
ليتجاوزَ أنفاقَ الظلامِ وأشواكَ الاستبدادِ، فكان في مكاشفةٍ صريحةٍ وواضحةٍ مع
الأخطاءِ، يُظهرُ لأبناءِ شعبِهِ كلَّ مظاهرَ الضعفِ والهشاشةِ لديهم، يُسلِّطُ
الضوءَ على ما يدبِّرهُ الأعداءُ من مكائدَ ومغامراتٍ تصيبُ حياتَهم ومستقبلَهم.
كان الرجلُ مفعماً بالأملِ، يمتلكُ إرادةً لا تلينُ، يعملُ بثقةٍ
وصدقيةٍ على فعلِ ما يمكنُ أن يمهِّدَ الطريقَ وينيرَ الدَّربَ، حيثُ اهتدى إلى
السَّعيِ لترميمِ مواقعِ الخللِ والضعفِ عن طريقِ العملِ الجماعيِّ المنتظمِ،
والتخلّي عن كلِّ ما يمكنُ أن يعطِّلَ أو يؤخِّرَ مسعاهُ في النهوضِ، لاستردادِ
الحقِّ المسلوبِ، وإثباتِ الذاتِ.
إذن، يضعُ جكرخوينُ أمامَنا حقائقَ مؤلمةً وجارحةً، لندركَ الأذى الذي
لحقَ بالكردِ وعطَّل تقدمَهم انطلاقاً من واقعٍ عايَشَهُ بكلِّ تفاصيلهِ، يذمُّه
ويستنكره بصراحةٍ ووضوحٍ:
اتحدوا
بسرعةٍ، فأنا مبشِّرٌ وثريٌّ (٢)
اتحاداً على
دربِ الحريةِ، ساندوه بالمالِ والوجودِ
قيودُكم تحطَّمتْ،
لازلتُ يافعاً، سعيداً
اتحدوا
لخلاصِ الوطنِ بالأفعالِ لا بالأقوالِ
فلنعمل ليلَ
نهارٍ، فأنا أشبهُ كاويسَ وكوركينَ
يتشبَّثُ جكرخوينُ بالقيمِ الراسخةِ لدى شعبِه، والتي تتمثَّلُ في
مبدأِ الثَّباتِ والصمودِ، والتمسُّكِ بالأرضِ، والتغنّي بالنسبِ،
والمكان/الموطنِ؛ قممُ الجبالِ الشَّماءُ موطنُ الميديينَ السلالةُ التي استحوذت
عبرَ التاريخِ الشموخَ والرقيَّ. حيث يقول:
مهما سما
شأنُ الوطنِ (٣)
أسمو
بسموِّه
إن كان
معافىً، أحيا بعزَّةٍ وشموخٍ
هكذا تحيا
المدنُ والأريافُ بحريةٍ
يعيشُ
الكردُ بكبرياءَ
.... .........
.....
أسدٌ أنا من
سلالةِ الميتانيينَ
موطني
ذِرَاءُ الجبالِ
هدفنا ترابُ
ميديا
لا تغيب عن بالِه الحاضنةُ التي تؤسِّسُ لذاتِ الكردِ، ووجودِ الكردِ
لتبقى الحاملَ الأساسَ والأهمَّ في معظمِ قصائدهِ التي تعبِّر عن الشعورِ
بالانتماءِ إلى ترابِ الوطن. وقد تجلَّت هذه التجربةُ الوجوديةُ التي بلغت حدَّ
الاندماجِ العاطفيِّ بشكلٍ واضحٍ وأكثرَ عمقاً وشمولاً في الديوانِ الثالث (kîme
az ?). فالوطنُ بات جزءاً من كيانهِ لن يهجرَه،
يتحولُ إلى الفتاةِ التي يعشقها، يتغنّى بجمالِها، ليبقى هذا الكيانُ الفكرةَ التي
تتغلغلُ في وجدانهِ، تجري نسغها في شرايينِه في حلِّه وترحالهِ. فمن مثلِ هذا
الحبِّ حوارهُ مع الغيداء:
جافتني
الغيداء حزينةٌ (٤)
عليها أبكي
كالبلبلِ الحزينِ
........ ....
......
تقولُ
أحببتَ سوايَ
ابتعدْ عني
بتنا
أعداءَ، لا تأتِ إليَّ بعدُ
................
.... .......
أقسمتُ لها
أنّني لم أعشقْ غيرَها
ما اسمُها
إنْ كنتِ تصدِّقينَ؟
فقط، تقولُ:
لا أدري.. لا أدري
........... ...... .........
قالت إنها
حسناءُ ذاتُ كبرياءٍ
لا أهلَ لها
ولا أربابَ، اسمها كردستان
قلتُ نعم،
أدري
احتضنتُها
ليبتهجَ بها قلبي
من صورِ التعلُّقِ بالأرضِ أيضاً ما يتجلّى في القصيدةِ التاليةِ، حيث
يتغنّى جكرخوينُ بالوطنِ الذي يتراءى في هيئةِ الفتاةِ، حيث يتحول الوطنُ لديه إلى
جسدٍ محمولٍ في القلبِ:
لكلِّ واحدٍ
حبيبةٌ (٥)
حبيبتي أنا
الوطنُ
لا أستطيعُ
توصيفَ جمالِها مهما كنتَ بليغاً
...... ........ .......
رشيقةٌ، ناعمةٌ،
ممشوقةُ القَدِّ، ميّاسةٌ
قتلت الآلافَ
أمثالي من الآلامِ والحسراتِ
بلسمٌ على
الشفاهِ، لكنها حيَّةٌ سوداءُ في صدري
عهدي أنْ
أقدِّمَ لها قلبي دوماً
دونَ أنْ
أخشى السجونَ وعذاباتِها
التعريفُ بالهويةِ الكرديةِ يشغلُ مساحةً واسعةً من ديوانهِ الثالث،
وتحتَ عنوانٍ عريضٍ (من أنا؟ kîme Az) ليؤرِّخَ للقيمِ التي
يتحلَّى بها الكردُ من شجاعةٍ، ونزعةٍ إنسانيةٍ لا حدودَ لها، من حيثُ رفضِ عقليةِ
الثأرِ والانتقامِ، والدعوةِ إلى السلامِ والعدالةِ وصونِ كرامةِ الإنسانِ. وما
يأتي من مقتطفاتٍ من مطولتهِ بهذا الخصوصِ يلخِّصُ المعاني التي يتحلَّى بها
الكرديُّ على مرِّ التاريخِ:
من أنا؟
كرديٌّ من
كردستانَ (٦)
شقيقٌ
لداعيِ السلامِ
آبائي
وأجدادي عاشوا بحريةٍ
لن أرضى
باستمرارِ العبوديةِ
أريدُ
الخروجَ إلى الميدانِ مدجَّجاً بالسلاحِ
أشقُّ درباً
جديداً من أجلِ الإنسانِ
............. ......
.........
أنا من
دحَّرَ جيشَ ريتشاردَ
بدمي صنتُ
هذا الوطنَ
أنا الفارسُ
صلاحُ الدينِ
اسأل
دمياط... اسأل حطين
من أنا؟
أنا
الميتانيُّ....
الكرمانج، الكلهور،
اللور، الكور، ابن كهدرز
فرهاد،
رستم.
........ ........
......
ابن سالار،
شيركو، ديسم
....... .......
.......
طالبُ السلامِ
أنا، لا من مصاصي الدماءِ
........ ....... .......
لا نريدُ
القتالَ، ننشدُ العدالةَ
لأجلِ
البشريةِ
كلُّنا
أصدقاءُ وأحبةٌ
الموتُ
للمحتلِّ
عاشت
كردستان
اعتمد الشاعر في نسج أفكاره وصوغ مشاعره على دعائم راسخة في التاريخ،
لوضع بنيان القصيدة التي ملأت الآفاق، لإظهار ما اختزنته ذاكرته عبر الأزمان.
ليتدفَّق هذا المخزون بوتيرة استثنائية على شكل موجاتٍ انفعاليةٍ
متتاليةٍ، تصعُدُ ثم تهبُط حسبَ درجةِ وشدَّةِ الانفعال، لتعبِّر عن حالةٍ نادرةٍ
من العنفوان، تحت كمٍّ هائلٍ من التناقضات والمآسي التي تراكمت في نفس الرجل خلال
مراحلَ مختلفةٍ ومتباينةٍ في الزمان والمكان.
تضخيم (الأنا) ابتداءً من العنوان، يوحي بالعديد من الدلالات، ربما
أبرزها الاعتزاز بالهوية، والانتماء إلى شعبٍ أصيلٍ، متجذِّرٍ في التاريخ، أو
الاعتزاز بالماضي التليد. وربما نشاركه نفس الشعور والإحساس، شأنه شأن غيره ممن
يلوذُ بماضيه المجيد حين تتقاذفه الأمواج، وتعصف به رياح الانكسار، ويشعر بالضعف
أمام تزاحم الأهوال والمحن، وعدم الإمكانية من تلبية استحقاقات الحاضر، أو تحريض
النفوس الأبية على الفعل الإيجابي، لعلَّها تنفض عن نفسها غبار قرونٍ من الرضوخ
لواقعٍ لا يليق بها.
وقد تكون بطاقةَ تعريفٍ – وهو الأرجح – بذاتِ الكردِ المعروفة عنها
الشجاعة والصدق. كي يعرِّف بهذه الهوية بشكلٍ أوضح، يُحيلُنا إلى التاريخ الذي
يحتفظ بالكثير من المواقف البطولية للكرد في أكثر من واقعةٍ ومشهد. حيث يُحيلُ
القارئَ إلى التاريخ ليؤكد أنَّ الكردَ لم يخسروا في معركةٍ أو مواجهةٍ في
الميدان، كما برز من بين صفوفهم العديد من القادة الذين سطَّروا بطولاتٍ نادرةٍ في
معاركهم ضدّ الغزاة والطامعين من أجل الحرية والكرامة.
لتُضاف تلك المآثر إلى إرث المنطقة، يتغنى بها الكرد وغيرهم عبر قرون.
ويضيف أنَّ الكرد كانوا أصحابَ عروشٍ وتيجانٍ فيما مضى، وأنهم استمروا على تلك
الخصال والقيم محتفظين بها، إلى أن قبلوا الدخول في الإسلام واعتنقوه بقناعةٍ
ورضا.
فالاستشهاد بصلاح الدين الأيوبي، محرِّرِ القدس، كرمزٍ للبطولة في
تاريخ المنطقة، تأكيدٌ على دور الكرد في صياغة تاريخها. فمعركة دمياط وكذلك حطين
دلالةٌ على امتداد سلطان صلاح الدين ليشمل حكم بلاد الشام ومصر وأجزاء من السودان.
كما أنَّ (الاستفهام) اللازمة التي تبوَّأت صدارةَ كلِّ مقطعٍ من
مقاطع القصيدة، يوحي بأنَّ جكرخوين كان حريصاً على تكراره، ليؤكد من خلاله على
الأصالة التي تحلَّى بها الكردي، والتجذّر في المكان/ الأرض التي عاشوا عليها منذ
الأزل، أو صرخة التحدي في لحظة الانفعال، لتمتدَّ موجةُ الانفعال التي بدأت هادئةً
نسبياً في مطلع القصيدة، ثم تصاعدت شيئاً فشيئاً لتشملَ ما تبقّى من مساحة النصّ،
تعبيرٌ صارخٌ عن دهشته واستغرابه من موقف الشركاء في الدين والتاريخ.
فجاءت انفعالاته لتجمع بين المتناقضات، وتعبث بالألفاظ كي تليق الصفة
بالموضوع، وعلى درجةٍ من الدقة والإحكام، ما يعني أنَّ الرجلَ رغم نوبة الانفعال
الشديدة لم يفقد توازنه قطّ، ظلَّ محافظاً على نسقه اللغوي السليم من أول النص حتى
آخره، مؤكداً في ذات الوقت على الشِّعار الذي تمسَّك به على الدوام: الدعوة إلى
السلام وتحقيق المساواة.
الدعامة الرابعة والأخيرة التي استند عليها الشاعر هي (التفاؤل)،
فعنصرُ التفاؤل بالمستقبل كان دائمَ الحضور، لم يفقده الشاعر تحت تأثير أو ضغط نوبة
الانفعال، وهو يجمع بين الأضداد أو يقارن بين الماضي والحاضر، يسرد المآثر، حيث لا
تزال تختزل ذاكرته انتصارات الماضي، ثم ينسجها بآلام الحاضر، فيسمو على الجراح
دونما اكتراث بمواقف الخصوم، ويعلن بأنَّ الهزيمة للمعتدين، وأنَّ شمس الحرية
ستُشرق وإن طالت الأيام.
لقد أمضى جكرخوين معظمَ أيام حياته يبحث عن ملاذٍ يوفِّر له مقوِّمات
الحياة والاستقرار، بعد أن سُرِقت طفولتُه، واعتصر الألمُ قلبَه. فرغم ظروف القهر،
التحم الرجلُ بكيان شعبه يتحسَّسُ لآلامه، محوِّلاً التجربةَ الوجودية لديه إلى
التجربة الجماعية، يتعصَّبُ في الانتماء إلى بني جلدته، حيث يصعد الألمُ الخاصُّ
لديه إلى الألم العام، في مسعى من نكران الذات لا تظهر إلا في ضمير العظماء.
فمن صور هذا الانتماء والتشبث بالهوية والأرض ما يتجلَّى في قصيدة آمد
(Amed)، حيث يتمنى الموتَ في
ربوعها ويُغتسل بمائها ويُدفن في مزارها لينامَ نوماً أبديّاً بجوار أحبَّته،
يقول:
أيها القلبُ
اجلسنَّ حزيناً على شطآن نهر آمد (٧)
وامعنِ النَّظرَ
ليتراءى لك موطنُ الكردِ
نصبوا في
آمد أعوادَ المشانق
علَّقوا
عليها جنودَ زازا
ضاع التاجُ
والطيلسانُ دونَ أربابٍ
ابكِ واصرخْ
بنشيجك دوماً
آمد، إلى
متى تستمرُّ الآلامُ والأحزانُ؟
مثلك ارتوتْ
دماً، آكري وديرسم وساسون
مثلك كسيرُ
القلبِ طورٌ وبختٌ وبردان
مثلك توشَّحَ
بالسَّوادِ سفين وكردي سيوان
..... ......
....
هدفي الموتُ
لأجل الحرية
كفِّنوني
بطيلسانها
رجائي أن
يغسلوني بماء دجلة
بالمسك
عطِّروا جنازتي، بدموع العرائس والفتيات
إن لم ترثِني
الصُّحفُ والمجلاتُ والتاريخُ
فلتبكِ
عليَّ بعضُ الثكالى والبائسات
مَن لا يحسد
جكرخوين؟
إنْ حللتُ
ضيفاً على مقبرة آمد
احتضنتْ مدينةُ (آمد Amed) الشاعرَ جكرخوين في رحلة
نزوحه الأولى بحثاً عن زاد يومه، فوجد فيها أسباب الراحة، ومنحته من صدرها الرؤوم
الدفءَ والحنان، فمن الطبيعي أن يتألم لألمها حين استبدَّ بها الغزاة ونكَّلوا
بأهلها، وساقوا شبابها إلى أعواد المشانق ومعسكرات الاعتقال، لتستمرَّ تلك
المشاهدُ المؤلمةُ التي لا تزال تتوافد أهوالُها إلى ذاكرته، يعبِّر عنها بمشاعر
ملؤها الحسرات.
إذن، (آمد Amed) التي اعتادت على تحمُّل
الآلام، ليست وحدها تداوي جراحها وتتعايش مع الأحزان، وإنما تتقاسمها الدماءُ
والدموعُ مع أترابها آكري وديرسم وساسون، وجبال همرين وشنكال، حين توشَّحت ذُراهما
بغيومٍ داكنةِ السواد، وطال معهما أمدُ الآلام التي سربلت سفوحَ سفين وكردي سيوان.
هكذا، إذن، تستمرُّ نوباتُ الأنين بالتوازي مع مشاعر التحدي، بعد أن
فقدتْ آمدُ التاجَ وعرشَ مروان، ليتخذ الشاعرُ عهداً بعدم الركون إلى الراحة طالما
تسري سمومُ القهر في شرايينِ آمد، لكنه، مع ظروف المعاناة، يقدِّم وصفةَ العلاج.
إنَّها الحريةُ التي دعا إليها الشاعر، السِّمة التي تلازم الشاعر الثائر.
لا غرابةَ، إذن، أن يتمنى جكرخوين الموتَ في ربوع مدينةِ (آمد)، ليجعل
من مدينةِ الشهداء والدموع والمشانق موطناً رمزياً للموت النبيل، فهي ليست
جغرافيا، بل ذاكرةٌ مشبعةٌ بالتضحية، ومقبرةٌ للأبطال، ومهدٌ للفداء. فكما قدَّس
الأرضَ، قدَّس الموتَ في سبيلها، بل جعل الموتَ في (آمد Amed)
طقساً أخيراً من طقوس الانتماء الكامل.
هكذا حين نقرأُ جكرخوين، فإننا لا نقرأُ شاعراً فحسب، بل نسمعُ صوتاً
يتردَّدُ صداه بين الجبال، من أفواهِ الأمهات، من قلوبِ الشباب الذين لم يعرفوا
وطناً إلا عبر الأغنية.
لقد منح صوتَه للأمة التي كانت تُمنَع من الحديث، وأعطى لآلامها شكلاً
شعرياً لا يموت. لم يكتب للتاريخ فحسب، بل للنبض، للناس، للذين يقرؤون القصيدة كما
يقرؤون وجوهَ أحبّتهم الغائبين.
سيظلُّ جكرخوين، في ذاكرة الشعب الكردي، أكبر من شاعر. هو الأب، هو
المعلّم، هو القصيدة حين تصبح وطناً، وصوتٌ أبديٌّ في ذاكرةٍ لا تنام.
الهوامش
١- الديوان الثاني ص (٨٣-٨٤)
٢- الديوان الثالث ص (١٧)
٣- المصدر نفسه ص (٥٠)
٤- الديوان الثاني ص (٣٨)
٥- الديوان الثاني ص (١٧)
٦- الديوان الثالث ص (٩)
٧- الديوان الأول ص (٣٣)
Pênûsa Azad23


ليست هناك تعليقات: