دينامية الأصوات في اللهجات الكردية
عبدالعزيز قاسم
للأسف، عند كتابة نص لغوي باللغة الكردية، لا تتوفر لدينا دراسات كافية حول الظواهر اللغوية الكردية؛ ولذلك سأحاول توثيق ظاهرة التناوب الصوتي في اللهجات الكردية من خلال الاستخدام الشفهي أكثر من الجوانب الأخرى. إذ نلاحظ تنوعاً صوتياً لافتاً في اللهجات الكردية، حيث لا تُنطق بعض الأصوات من لهجة إلى أخرى بشكل ثابت، بل تتغير أو تتبادل مواقعها، وهذا ما يُعرف بالتناوب الصوتي، وهو تغير منتظم في الأصوات مرتبط بالسياق أو باللهجة أكثر من كونه تغيرًا في المعنى.
وتُعد ظاهرة التناوب الصوتي من السمات البارزة
في اللهجات الكردية، حيث تخضع بعض الوحدات الصوتية لتحولات منتظمة تعكس اختلافات لهجية،
ويتجلى ذلك في التبادل بين عدد من الصوامت وشبه الصوائت نتيجة عوامل متعددة، من أبرزها
التعارض بين الجهر والهمس كما بين /t/ و/d/، وتقارب المخارج وعمليات التبسيط الصوتي كما في /w/ و/v/ و/b/.
ومن أبرز أنماط هذا التناوب ما يحدث بين الصوتين
/d/ و/t/، حيث
يمكن تفسيره في ضوء التعارض بين الجهر والهمس؛ إذ يُستبدل الصوت المجهور /d/ بالصوت المهموس /t/ في بعض
الكلمات، لا سيما في أطراف الكلمات، نتيجة عمليات الحياد الصوتي أو التضعيف.
وقد يكون للبيئة والجغرافيا دور في هذا التناوب
أو الاستبدال، الذي يظهر بوضوح في كثير من المفردات، على سبيل المثال:
kilît / kilîd
كما يظهر في تصريف بعض الأفعال، خاصة في صيغ
المضارع التي تبدأ بجذر فعلي مهموز، حيث تُستبدل بادئة الأمر /d/ بـ /t/ كما
في اللغة الكرمانجية المحكية، مثل:
dêşê / têşê
daxêvê / taxêvê
ويُفهم هذا التباين بوصفه انعكاسًا لاختلاف لهجي
أكثر من كونه تغيرا دلاليا.
ويُلاحظ كذلك في بعض اللهجات سقوط الصوت /t/ في أواخر الأفعال، ولا سيما في الأفعال المشتقة من مصدري أفعال الكون والتملك (bûn، hebûn) في حالة المضارع حيث يُعد /t/ من الأصوات الضعيفة القابلة للحذف في سياقات صوتية معينة ضمن عمليات التبسيط أو الإضعاف الصوتي.
كذلك يُلاحظ تناوب بين الأصوات /v/ و/w/ و/b/ في نهاية الكلمات، كما في المثال:
av / aw / ab (بمعنى:
ماء)
ويُعزى هذا التناوب إلى التقارب المخرجي بين
هذه الأصوات، حيث يمكن أن يتحول الصوت /v/ إلى
/w/ أو /b/ تبعًا للهجة أو السياق، وهو ما يمثّل حالة من المماثلة الصوتية، وبخاصة
في اللهجة السورانية، حيث لا نجد حرف /v/ بكثرة
كما في الكرمانجية.
أما في بداية الكلمات، فيظهر تناوب بين /h/ و/w/ و/o/، كما في:
husa / wusa / osa
(هكذا)
hosta / osta / wusta
(معلم، أستاذ)
ويرتبط ذلك بعمليات الإضعاف أو الحذف الصوتي،
حيث يُعد /h/ صوتًا قابلًا للسقوط، بينما قد يظهر /w/ كصوت انتقالي، أو تتحول البنية إلى حركة صافية /o/، ضمن ما يُعرف بالإعلال أو التغير الصوتي التدريجي (sound
change).
وتظهر هذه الأمثلة أن التناوب الصوتي في الكردية
يخضع لقواعد فونولوجية منتظمة، تعكس التفاعل بين البنية الصوتية والتنوع اللهجي.
ومع ذلك، فإن التناوب الصوتي في اللهجات الكردية
لا يقتصر على مجرد تبدل بين صوتين، بل قد يصل في بعض الحالات إلى تغير أوسع في البنية
الصرفية للفعل نفسه، بحيث تبدو الصيغة مختلفة بشكل شبه كامل، كما في الفعل *hatin* (المجيء) ومشتقاته.
فعند المقارنة بين لهجة بهدينان ولهجة كرمانجية
بوتان، نلاحظ فرقًا واضحًا في شكل الفعل ووحداته الصوتية:
لهجة بهدينان:
المضارع: dihêt
المستقبل: dê hêt
/ wê bihêt
النفي: nahêt
لهجة بوتان:
المضارع: tê
المستقبل: bê
النفي: nayê
ومن خلال هذه المقارنة يتبين أن لهجة بوتان تميل
إلى الاختزال الصوتي وحذف العناصر الأولية في بنية الفعل، مثل الأصوات الابتدائية
/d/ و/h/، مما
يؤدي إلى صيغة أقصر وأكثر اختصارا.
أما لهجة بهدينان، فتميل إلى الحفاظ على البنية
الصوتية والصرفية بشكل أوضح وأكثر اكتمالاً.
وبذلك يمكن القول إن الفرق بين اللهجتين هنا
لا يقتصر على التناوب الصوتي، بل يتعداه إلى اختلاف في درجة الاختزال الصوتي والبنية
الصرفية، وهو ما يعكس تنوعاً طبيعياً داخل النظام اللهجي الكردي.
إضافة إلى ذلك، توجد داخل بعض اللهجات المحلية،
أو حتى داخل اللهجة الواحدة، حالات استبدال صوتي أكثر خصوصية، كما في اللهجة الكوجرية
التي تستبدل /k/ و/q/ بـ
/g/ في أواخر الكلمات، مثل:
Dêrik / Dêrig
(مدينة ديرك)
Qiriq / qirig
كما يظهر أيضاً استبدال /r/ بـ /l/ في بعض
الكلمات، مثل:
xêr / xêl
Tu bi xêr hatî / Tu bi xêl hatî
وتشير هذه الظواهر مجتمعة إلى أن النظام الصوتي
في الكردية يتسم بدينامية واضحة، حيث يخضع لتغيرات منتظمة تعكس التفاعل بين العوامل
الصوتية والبنى اللهجية المختلفة.
ليست هناك تعليقات: