لمحة
عن الدور التاريخي
للكُرد
في دمشق قبل
العهد المملوكي
علي شيخو
برازي
للكُرد دوراً كبيراً في تاريخ سوريا, وفي نواحي عدة منها:
العسكرية
- السياسية - الثقافية – التجارية - الاجتماعية وغير ذلك, وخاصة في عهد الدولة
الأيوبية, وقد لعب الكُرد دوراً سياسياً كبيراً في العهد العثماني, واستمر هذا الدور إلى ما بعد الانتداب الفرنسي على
سوريا حتى نهاية الستينيات القرن الماضي, إلى أن غيّر حزب البعث ثقافة الشعب
السوري وفق إيديولوجيته العروبية, بدءاً من انقلابه عام 1963م .
كان دور الكُرد التاريخي
جليّاً في المدن السورية الكبرى مثل: دمشق, حمص, حماه وحلب. وكانت لهم مكانة سياسية
وثقافية واجتماعية في المدن المذكورة, ناهيك عن دورهم في المدن السورية الأخرى, وقدم
الكُرد انجازات هامة على الصعيدين الثقافي والسياسي, ولا زالت الأوابد التاريخية
تذكرنا بحجم تأثيرهم الحضاري في سوريا, ورغم تعرض هذه المعالم للدمار
والخراب منذ العهد الأيوبي, نتيجة الحروب والإهمال, حيث طال الخراب الكثير من
الصورة الحضارية لمدن سوريا, إلا أن أثارها لا تزال جليّة إلى عصرنا هذا.
أما دمشق فليس هناك حقبة من حكم الإسلام إلا
وللكرد بصمة واضحة في حكم دمشق, ففي العهد العباسي كان محمد الشهرزوري واليا على
دمشق, يقول الصفدي: " ولي إمرة دمشق من قبل محمد بن رائق الذي غلب على دمشق
سنة 328ه –
ولا بد أن نشير
هنا إلى دور الكُرد في العهد الفاطمي أيضاً, ورغم قلة المصادر في هذا العهد, إلا
أن التاريخ يذكرنا بوالي دمشق أبو ثريا الكردي الذي " ولي دمشق يوم الخميس
مستهل شهر ربيع الأول 364ه- 975م. من قِبل أبي محمود المغربي أيام العزيز مدة
يسيرة, وعزل بجيش ابن صمصامة في ولايته الثانية. " ( الصفدي, 1955, ص 42 ).
وهناك إشارة أخرى إلى حجم الوجود الكردي في نواحي دمشق في بداية القرن
الحادي عشر, في العهد الفاطمي, في فتنة حدثت في منطقة بين دمشق وصيدا, سنة 410 ه-
وهناك إشارة تاريخية أخرى لوجود الكُرد في
بلاد الشام, فقد " خضعت منطقة وادي التيم عام 1138م, لأحد الشخصيات الكُردية
يدعى علي بن ورقا الكُردي". ( حسن, 2009, ص 38 ).
بعد هذه الإضاءة عن الوجود الكُردي في نواحي
دمشق في العهدين العباسي والفاطمي, ننتقل إلى العهد الأيوبي حيث الحضور الكُردي
الكبير في جميع مفاصل الدولة الأيوبية.
في العهد الزنكي كان للكرد حضور في دمشق,
حيث نلاحظ من خلال ما كُتب عن أسد الدين شيركوه وأهله. يقول د. قادر محمد حسن في
كتابه إسهامات الكرد في الحضارة الإسلامية:" الظاهر أن شيركوه استقر وأهله في
الشام, إذ نلاحظ أن معاصره المؤرخ ابن القلانسي يذكره. وفي إشارة ترجع إلى سنة 549
ه/ 1154م, بأن أسد الدين شيركوه في مناطق دمشق يهاجم الصليبيين باستمرار". (
حسن, 2009, ص 43 ).
بعد وفاة نور الدين محمود واستقرار الوضع
الأمني في مصر, تجهز صلاح الدين الأيوبي للاستيلاء على بلاد الشام, وكانت سواحل
بلاد الشام تحت خطر الصليبيين آن ذاك, " واستنجاد ابن المقدم به, بناء على
إلحاح سكان دمشق الذين خشوا من طموحات كمشتكين, وخطر الصليبيين على مدينتهم."
( طقوش, 2008, ص 56 ). وفتح له ابن المقدم أبواب مدينة دمشق وسط ترحيب واسع.
ومن القضاة الذين سكنوا دمشق: "
القاضي محمد بن قاسم الشهرزوري الذي تولى القضاء بعدة بلاد منها الشام, وتوفي سنة
538 ه – 1143م, والقاضي كمال الدين الشهرزوري الذي ترقى في دولة نور الدين الزنكي,
وكان نافذ الأمر في الدولة وأصبح قاضياً في دمشق". ( حسن, 2009, ص 50 ).
ثم حكم الأيوبيين دمشق وباقي مدن سوريا قرابة تسعين سنة, بدءاً من الناصر
صلاح الدين الأيوبي عام
في بداية الحكم الأيوبي أعطى صلاح الدين أهمية كبيرة للشؤون المدنية, مثلما
أعطى الشئون العسكرية, ولاقى النشاط العمراني في عهد الدولة الأيوبية ازدهارا
كبيرا, شمل مختلف نواحي الحياة الاجتماعية, كالتجارة والصناعة والزراعة, يقول طقوش
: " سار النشاط العمراني في دولة صلاح الدين في خط متوازٍ مع النشاط العسكري
الجهادي, إذ في الوقت الذي كان يقود الجيوش, ويخوض المعارك, فإنه كان يفكر في
الإصلاحات المدنية التي تحسن الوضع الاجتماعي." (طقوش, 2008, ص 212) وقد شمل ذلك
بناء أسوار المدن وأبراجها وبناء القلاع وترميم التي كانت قبل عهدهم , بالإضافة
إلى جر المياه إلى المدن.
شهدت
دمشق نهضة علمية وحضارية على يد الأيوبيين, وكانت هذه النهضة بداية عهد جديد للعلم
والمعرفة, وتميزت عن كل العهود الإسلامية السابقة, رغم الخطر الصليبي الدائم على
الدولة الأيوبية. حيث كانت دمشق تمثل المركز بالنسبة للأيوبيين في بلاد الشام, وكان
العصر الأيوبي هو العصر الذهبي لمدينة دمشق بتقدمها الفكري والحضاري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1
- الصفدي, صلاح الدين خليل, أمراء دمشق في الإسلام, الطبعة الثانية, بيروت 1983 .
2-
الانطاكي , يحي بن سعيد, تاريخ انطاكيا, المعروف بصلة تاريخ أوتيخا, , جروس برس,
طرابلس – لبنان 1990, ص 349
3 - طقوش
, د. محمد سهيل. تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة, دار النفائس,
الطبعة الثانية – بيروت – لبنان . 2008 .
4
– حسن, د. قادر محمد حسن, اسهامات الكُرد في الحضارة الإسلامية, كوردستان – دهوك,
2009.

ليست هناك تعليقات: