حين يغادر المثقف عزلته : الكتابة بين
المعرفة والمسؤولية
فيروز ابراهيم
ليست الكتابة فعلا معزولا عن الحياة
ولا المعرفة مساحة مغلقة يعيش فيها صاحبها بعيدا عن أسئلة مجتمعه وتحولاته فالكاتب
والشاعر والمثقف حين يختار ان يكون جزءا من المشهد الثقافي، فإنها لا يحمل قلمه
وحده، بل يحمل معه مسؤولية الكلمة وأثرها
ومسؤولية الحضور الذي يمنح تلك الكلمة معناها الأوسط.
قد تبدو الكتابة في ظاهرها كلمات مرتبة
على الورق لكنها في جوهرها موقف من الأنسان والواقع والزمن .ولهذا لا تقاس قيمة
الكاتب بعدد ما يكتب ولأبعده ما ينشر وإنما بقدر ما يضيف الى الوعي وبقدر ما تستطيع
أن يقرأ اللحظة التي يعيشها مجتمعه قراءة عميقة وأن يحول المعرفة إلى طاقة إيجابية
تسهم في بناء الإنسان
المثقف الذي يعيش خارج زمنه قد يمتلك
المعرفة لكنه يفقد إحدى أهم أدواتها .القدرة على فهم الواقع فالأحداث لا تنتظر
المثقفين حتى يفرغوا من قراءة الماضي والتحولات الاجتماعية والفكرية والتكنولوجية
تتسارع بصورة تجعل العزلة الثقافية
خيارا مكلفا وليس المطلوب من الكاتب أن يلاحق كل حدث او أن يحول قلمه إلى تعليق
يومي على كل ما يجري، وانما أن يملك حسا
يجعله قادرا على التمييز بين الحدث العابر والتحول الذي يستحق التأمل .
ومن هنا يصبح حضور المثقف في مجتمعه
ضرورة لا ترفا حضوره في.
فالمثقف لا يؤثر فقط عندما يكتب بل
يؤثر أيضا عندما يصغي، ويناقش ويحترم الرأي المختلف ويتعامل مع المؤسسات
والفعاليات بروح مسؤولة
إن احترام الإتيكيت والبروتوكول في
الحياة الثقافية لا ينبغي أن يفهم بوصفه مجرد شكليات أو مظهر اجتماعي فالسلوك الحضاري في المناسبات
الثقافية يعكس وعي صاحبه واحترامه للمكان وللمؤسسة وللأخرين وطريقة الحديث، وإدارة
الحوار ،واحترام الوقت والإنصات ومعرفة حدود المناسبة كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها
ولكنها تكشف مستوى كبيرا من الثقافة في جوهرها. فالثقافة ليست معلومات محفوظة
فحسب، وانما سلوك ايضا.
ولعل من المفيد أن نتوقف عند سؤال
بسيط. ماذا يبقى من كتابة جميلة إذا لم تترك اثرا في صاحبها اولا، ثم في محيطه
فالكلمات خالتي لا تغير شيئا في طريقة التفكير، ولا تفتح بابا للحوار ولا تساعد
على رؤية الواقع بصورة أكثر وضوحا، قد تتحول مع الوقت إلى نصوص معلقة في الفراغ
أما الكتابة التي تنطلق من وعي ومسؤولية، فإنها تستطيع أن تتحول إلى ذاكرة، والى
سؤال وإلى موقف، وربما إلى بداية لتغيير
هادئ لا يظهر أثره في اللحظة نفسها.
وهنا تظهر أهمية الموقف. وليس المقصود
بالموقف أن يتحول كل كاتب إلى سياسي، أو أن له مواقف صاخبة في كل قضية بل أن يملك
وضوحا أخلاقيات وفكريا يجعله حاضرا عندما يحتاج المجتمع إلى كلمة واعية .فالموقف
الحقيقي هو أن يعرف الإنسان متى يتحدث، وكيف يتحدث وما الذي ينبغي أن يضيفه إلى
المشهد كما ان الكاتب الذي يمتلك القدرة على قراءة التفاصيل اليومية يستطيع أن
يحولها إلى أسئلة أعمق حول الإنسان والمجتمع
والمستقبل. أما المثقف فمساحته أوسع لأنه مطالب بأن يرى العلاقة بين
المعرفة والحياة وان يساهم في بناء وعي لا يكتفي بوصف المشكلات، بل يبحث عن
إمكانيات تجاوزها.
٧وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي
لم يعد تأثير المثقف محصورا في كتاب أو
صحيفة أو منبر. أصبحت الكلمة تصل إلى جمهور واسع خلال دقائق وأصبح حضور الكاتب على المنصات الرقمية جزءا من
صورته العامة .وهذا يضاعف المسؤولية لأن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة عمق
التأثير. وقد تنتشر جملة سطحية أكثر من
مقال عميق، لكن وظيفة المثقف ليست مطاردة الانتشار بل حماية قيمة الكلمة من ان
تتحول إلى مجرد مادة للاستهلاك السريع.
لذلك يحتاج مجتمعنا اليوم إلى مثقف
أكثر انفتاحا على عصره وأكثر قربا من أسئلة الناس، وأكثر قدرة على الحوار دون أن الحضور لا يعني الاستعراض، وان الانفتاح
لا يعني التنازل عن المبادئ، وان احترام الاخرين لا يعني التخلي عن المواقف.
فالكتاب في النهاية ليست امتيازا يمنح
.
أن المجتمع لا يحتاج إلمثقف يصف الواقع
فقط، بل إلى مثقف يساعده على فهمه ولا يحتاج إلى كاتب يملأ الصفحات ،بل إلى كاتب
يجعل للصفحات أثرا وبين الاثنين ما في لا تصنعها كثرة الكتابة، وانما يصنعها الوعي
والموقف والحضور.
وحين يغادر المثقف عزلته لا يفقد شيئا
من ثقافته، بل يمنحها فرصة أن تتحول من معرفة فردية إلى أثر حي في المجتمع.

ليست هناك تعليقات: