اللامركزية والادارة المحلية في سوريا الجديدة
محمد السليمان
مقدمة
تعد
الإدارة المحلية من أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة الحديثة فهي الجسر الذي يصل
بين المواطن ومؤسسات الحكم والأداة التي تترجم سياسات الدولة إلى خدمات ملموسة في حياة
الناس اليومية فكرة الإدارة المحلية ليست جديدة لكنها باتت أكثر إلحاحا في بناء سوريا الجديدة حيث يتطلع المواطنون إلى دولة
قريبة منهم تسمع صوتهم وتلبي احتياجاتهم وتشاركهم في رسم مستقبل مجتمعاتهم المحلية.
في هذا
الإطار تبرز اللامركزية الإدارية كخيار استراتيجي لإعادة توزيع الصلاحيات بين المركز
والمحافظات بما يحقق التنمية المتوازنة ويعزز المشاركة الشعبية ويبني ثقة المواطن بدولته
مع الحفاظ الكامل على وحدة البلاد وسيادتها. بهذه الدراسة سأحاول تقديم رؤية متكاملة
حول كيف يمكن لسوريا أن تبني نظاما إداريا محليا ناجحا مستفيدة من تجارب دول سبقتها
في هذا المجال وتتجاوز في الوقت نفسه الأخطاء التي وقعت فيها دول أخرى.
المفاهيم الأساسية
* ما هي الإدارة المحلية
هي نظام إداري يتم من خلاله إدارة الشؤون العامة
على مستوى المحافظات والمدن والبلديات بواسطة هيئات منتخبة من أبناء المجتمع المحلي
أو معينة وفق معايير الكفاءة وهي تمثل أقرب حلقة إدارية إلى المواطن حيث تتولى مسؤولية
تقديم الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والنظافة والصحة والتعليم بالإضافة إلى تنظيم
الشؤون الثقافية والاقتصادية المحلية.
تهدف
الإدارة المحلية إلى تحقيق جملة من الأهداف في مقدمتها إشراك المواطنين في إدارة شؤونهم
ورفع كفاءة الخدمات وتحقيق العدالة التنموية
بين مختلف المناطق وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة. عندما تكون الإدارة قريبة من المواطن
يصبح مراقبتها ومحاسبتها أسهل وتصبح استجابتها لاحتياجاته أسرع.
* اللامركزية الإدارية
هي عملية نقل بعض الصلاحيات والمسؤوليات من الحكومة
المركزية في العاصمة إلى الوحدات الإدارية المحلية في المحافظات والمدن. وهي تختلف
جذريا عن النظام المركزي الذي تتركز فيه كل السلطات والقرارات في يد الحكومة المركزية
مما يؤدي غالبا إلى بيروقراطية بطيئة وتهميش للمناطق البعيدة عن العاصمة.
هناك ثلاثة مستويات رئيسية للامركزية متباينة في درجة الاستقلال الممنوح
للوحدات المحلية:
المستوى
الأول هو النقل أو التفويض وفيه تنقل الحكومة المركزية بعض المهام التنفيذية إلى موظفين
محليين لكن هؤلاء الموظفين يظلون تابعين للمركز ويعينون من قبله ويمكن سحب الصلاحيات
منهم في أي وقت هذا المستوى لا يمنح استقلالا حقيقيا للإدارة المحلية.
أما
المستوى الثاني فهو التفويض الموسع حيث تنقل الحكومة صلاحيات إدارة خدمات معينة إلى
هيئات شبه مستقلة مثل هيئات المياه أو الكهرباء لكن هذه الهيئات تظل خاضعة لإشراف ورقابة
المركز واستقلالها نسبي وليس كاملا.
المستوى
الثالث والأكثر تقدما هو النقل الفعلي للسلطة وفيه تمنح الوحدات المحلية شخصية اعتبارية
مستقلة وميزانية خاصة بها ومجالس منتخبة من أبناء المنطقة. هذا النموذج يحقق أهداف
اللامركزية بشكل كامل مع بقاء الرقابة القضائية والمالية للمركز لضمان الالتزام بالقوانين
والسياسات العامة.
أنا
في وضع سوريا الجديدة فيكون التوجه نحو المستوى الثالث هو الأنسب لأنه يحقق التوازن
بين منح المحافظات صلاحيات حقيقية تمكنها من التنمية المحلية والحفاظ على وحدة الدولة
من خلال بقاء الصلاحيات السيادية كالجيش والدفاع والخارجية والتخطيط القومي بيد الحكومة
المركزية.
شروط تفعيل الإدارة المحلية
لكي
تنجح الإدارة المحلية في سوريا الجديدة لا بد من توفر مجموعة من الشروط الأساسية يمكن
حصرها في النقاط التالية:
* لا
بد من وجود إطار تشريعي وقانوني واضح يحدد بدقة صلاحيات المحافظين والمجالس المحلية
وآليات تشكيلها وعلاقتها بالحكومة المركزية هذا الإطار يجب أن يكون متكاملا بحيث يشمل
قانونا للإدارة المحلية وقانونا للانتخابات المحلية وقانونا للموازنات المحلية وقانونا
للرقابة المالية والإدارية فالقوانين هي الضمانة الأساسية لاستقرار النظام المحلي واستمراريته.
* تحتاج
الإدارة المحلية إلى كوادر بشرية مؤهلة قادرة على التخطيط والإدارة والتنفيذ والرقابة
وهذا يتطلب برامج تدريبية مكثفة واستقطاب الكفاءات من المهاجرين والعائدين والاستفادة
من الخبرات الدولية في بناء القدرات المحلية. فالإدارة المحلية لا تنجح بقوانين وحدها
بل بأناس مؤهلين يديرونها.
* لا
يمكن تصور إدارة محلية ناجحة دون تمويل كاف ومستقل فلا بد من أن يكون للمحافظات مصادر
تمويل ذاتية كالضرائب العقارية ورسوم الخدمات وعوائد الاستثمارات المحلية بالإضافة
إلى حصة عادلة من الموارد الوطنية التي تخصص لها وفق معايير واضحة كعدد السكان والمساحة
ومستوى الاحتياج فالاستقلال المالي هو روح الاستقلال الإداري.
* النجاح
يتطلب إرادة سياسية صادقة من الحكومة المركزية في نقل الصلاحيات فعليا وليس مجرد نقل
شكلي فكثير من التجارب فشلت لأن المركز ظل يتدخل في التفاصيل اليومية أو لأن القوانين
منحت صلاحيات لكن الموارد المالية لم تنتقل معها.
* لا
بد من إشراك المجتمع المحلي في عملية التخطيط والتنفيذ والرقابة من خلال آليات المشاركة
المجتمعية كالموازنات التشاركية والمجالس الاستشارية والاستبيانات الدورية فالإدارة
المحلية ليست مجرد جهاز بيروقراطي بل هي شراكة بين الدولة والمجتمع.
ضمانات الحفاظ على وحدة الدولة
أحد
المخاوف الأساسية التي تثار حول اللامركزية هو أنها قد تؤدي إلى الانفصال أو إضعاف
الدولة لكن التجارب الدولية تثبت أن اللامركزية الصحيحة يمكن أن تكون عامل قوة للدولة
لا عامل ضعف ولضمان ذلك يمكن وضع مجموعة من الضمانات.
1- بقاء الصلاحيات السيادية بيد المركز حصرا وهي الجيش
والدفاع والسياسة الخارجية والأمن القومي والعملة الوطنية والتخطيط الاستراتيجي للدولة
هذه الصلاحيات غير قابلة للنقل أو المشاركة.
2- وجود جهاز قضائي موحد يبت في أي نزاع قد ينشأ بين
الحكومة المركزية والمحافظات، ويكون قراره ملزماً للجميع هذا يضمن حل الخلافات بالطرق
القانونية والقضائية لا بالصراع السياسي.
3- آليات التنسيق الإجباري بين المركز والمحافظات من
خلال مجالس تنسيقية دورية واجتماعات وزارية منتظمة مع المحافظين وتباد المعلومات والتقارير
بشكل مستمر.
4- الرقابة المالية والإدارية الفعالة حيث تبقى للحكومة
المركزية صلاحية مراقبة أداء المحافظات ماليا وإداريا للتأكد من الالتزام بالقوانين
والمعايير الوطنية دون أن تتحول هذه الرقابة إلى تدخل في التفاصيل اليومية.
5- تعزيز
الهوية الوطنية والمناهج التعليمية الموحدة والإعلام الوطني الذي يعكس تنوع سوريا مع
تعزيز الجامع المشترك فالهوية الوطنية القوية هي الدرع الحقيقي ضد أي نزعة انفصالية.
تجارب دولية ناجحة
تجربة نيوزلندا
تعد
نيوزلندا نموذجا عالميا في الإصلاح الإداري واللامركزية بدأت رحلتها في عام 1984عندما
كانت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة وبيروقراطية مركزية جامدة قامت الحكومة النيوزلندية
بسلسلة من الإصلاحات الجريئة كان أبرزها إلغاء نظام الوظيفة المدنية التقليدي القائم
على الأقدمية واستبداله بنظام التعاقد القائم على الأداء والكفاءة كما منحت الإدارات
التنفيذية صلاحيات واسعة في التوظيف والترقية وتحديد الرواتب وأصدرت قواعد سلوك وظيفي
ترسخ مبادئ النزاهة والشفافية والفصل بين المصالح الشخصية والعامة كما ألزمت جميع الجهات
الحكومية بإصدار مواثيق خدمة تحدد التزاماتها تجاه المواطنين وتخول المواطنين حق التعويض
عن أي تقصير.
كانت
النتيجة تحول نيوزلندا من دولة تعاني بيروقراطية جامدة إلى نموذج عالمي في كفاءة القطاع
العام مع تراجع ملحوظ في مستوى الفساد وارتفاع كبير في رضا المواطنين عن الخدمات الحكومية
يمكن استخلاص عدة دروس من هذه التجربة أبرزها ضرورة وجود إطار تشريعي متكامل وأهمية
تحويل فلسفة الإدارة من التركيز على القواعد إلى التركيز على النتائج وفعالية مواثيق
الخدمة في تحسين الأداء وبناء الثقة.
تجربة بريطانيا
بدأت
بريطانيا إصلاحاتها الإدارية في عام 1979 في ظل حكومة مارغريت تاتشر بهدف تقليص حجم
الدولة وتحسين كفاءة الخدمات العامة قامت الحكومة بإنشاء وكالات مستقلة لتقديم الخدمات
لكل وكالة مدير يعين بالمنافسة العلنية مع فصل واضح بين وظائف وضع السياسات (التي بقيت
للحكومة) ووظائف التنفيذ (التي نقلت للوكالات) كما طبقت سياسات الخصخصة لتحويل العديد
من مؤسسات القطاع العام إلى شركات خاصة وكان الإنجاز الأبرز هو إصدار ميثاق المواطنين
في عام 1991 الذي أسس لمواثيق قطاعية تحدد التزامات كل جهة حكومية تجاه المواطنين مع
استبيانات سنوية لقياس مستوى الرضا.
تحولت
فلسفة الإدارة البريطانية من التركيز على تطبيق القواعد إلى التركيز على تحقيق النتائج
وأصبح المواطن يعتبر زبونا يجب إرضاؤه مما رفع مستوى الخدمات بشكل كبير وعزز المساءلة
تستفيد سوريا من هذه التجربة في أهمية الفصل بين صياغة السياسات وتنفيذها وفعالية نظام
الميثاق في تحسين الخدمات وضرورة بناء كوادر قيادية مدربة في الإدارة المحلية.
تجربة ماليزيا
واجهت
ماليزيا تحديات كبيرة تتعلق بالتعددية العرقية والطائفية التي كانت تهدد وحدة البلاد
بالإضافة إلى تفاوت تنموي كبير بين الأقاليم اختارت الحكومة الماليزية اللامركزية كأداة
لمواجهة هذه التحديات قامت بتطبيق لامركزية إدارية ومالية واسعة منحت كل إقليم صلاحيات
حقيقية في التخطيط والتنمية المحلية مع توزيع عادل للثروات والخدمات بين مختلف الأقاليم.
كانت
النتيجة مبهرة حيث تمكنت ماليزيا من القضاء على النعرات العرقية وتحقيق استقرار سياسي
نادر في منطقة مليئة بالصراعات كما حققت تنمية بشرية متوازنة بين جميع الأقاليم وانتقلت
من دولة نامية إلى دولة حديثة التصنيع في فترة قياسية الدروس المستفادة من هذه التجربة
هي أن اللامركزية يمكن أن تكون وسيلة فعالة لاحتواء الصراعات وتعزيز الوحدة الوطنية
وأن العدالة في توزيع الثروات شرط أساسي لنجاح اللامركزية وأن التنمية الاقتصادية المحلية
محرك رئيسي للاستقرار السياسي.
تجربة تركيا
تجربة
تركيا مختلفة تماما وهي تقدم دروسا تحذيرية لا تقل أهمية عن الدروس الإيجابية شهدت
تركيا بين عامي 2004 و2014 إصلاحات لامركزية شكلية حيث منحت البلديات صلاحيات تنفيذية
أوسع وزاد عددها لكن هذه الإصلاحات لم تمنح البلديات استقلالا ماليا حقيقيا إذ بقيت
الموارد الرئيسية كالضرائب بيد الحكومة المركزية مما جعل إنفاق الحكومات المحلية لا
يتجاوز 8.6% من الإنفاق الحكومي الإجمالي مقارنة بمتوسط يزيد عن 40% في دول منظمة التعاون
الاقتصادي والتنمية.
بعد
عام 2016 خاصة مع النظام الرئاسي عام 2018 تحولت السياسات التركية نحو مركزية واضحة
تم إخضاع رؤساء البلديات لتوجيهات المركز عبر آليات غير رسمية وفي بعض المناطق تم تعليق
صلاحيات البلديات المنتخبة وتعيين أمناء بدلا منها النظام المالي بقي هجينا يعتمد على
تقاسم الإيرادات التي توزعها الحكومة المركزية وليس على استقلال ضريبي حقيقي.
الدروس
والعبر من تجربة تركيا هي أن القوانين وحدها لا تكفي لضمان نجاح اللامركزية فلا بد
من إرادة سياسية صادقة في نقل السلطة وأن الاستقلال المالي شرط أساسي لا يمكن التهاون
فيه وأن تقول الرقابة الإدارية يحول اللامركزية إلى أداة للسيطرة لا للتفعيل وأن اللامركزية
يجب أن تكون مؤسسية لا شخصية ولا ترتبط بفترة حكم معينة.
النموذج المقترح للإدارة المحلية في سوريا
يقوم
النموذج المقترح على خمسة مبادئ أساسية الأول هو وحدة الدولة والسيادة حيث تبقى الصلاحيات
السيادية حكرا على الحكومة المركزية الثاني هو الاستقلال الإداري والمالي للمحافظات
مع شخصية اعتبارية وميزانية مستقلة ومجالس منتخبة الثالث هو الرقابة القضائية والمالية
عبر جهاز قضائي موحد وأجهزة رقابية مركزية الرابع هو التدرج في التطبيق بالبدء بمحافظات
نموذجية ثم التوسع تدريجيا والخامس هو التشاركية مع المجتمع المدني والقطاع الخاص.
هيكلها المؤسساتي
يتكون
الهيكل المؤسسي للإدارة المحلية من ثلاثة مستويات على مستوى المحافظة، هناك مجلس المحافظة
المنتخب محليا وهو المسؤول عن التشريع المحلي والموازنة والتخطيط الاستراتيجي وإلى
جانبه المحافظ وهو السلطة التنفيذية ويعين من قبل الحكومة المركزية في البداية، مع
إمكانية الانتقال لانتخابه لاحقا ويتولى تنفيذ قرارات المجلس وإدارة الأجهزة التنفيذية.
على
مستوى المدينة أو المنطقة هناك المجلس البلدي المنتخب المسؤول عن إدارة الخدمات المحلية
كالنظافة والحدائق والطرقات المحلية والترخيص وعلى مستوى الحي أو القرية هناك مجلس
الحي أو القرية ويتشكل بالانتخاب أو المشاركة المجتمعية ويهتم بالتخطيط التشاركي ومتابعة
الخدمات وحل النزاعات المحلية البسيطة.
توزيع الصلاحيات
في المجال
السياسي والأمني تبقى للمركز صلاحيات الدفاع والخارجية والأمن القومي ومكافحة الإرهاب
بينما تمنح المحافظات صلاحيات في الشرطة المحلية ضمن إطار أمني موحد وإدارة الأزمات
المحلية.
في مجال
التخطيط يبقى للمركز التخطيط القومي والسياسات الاقتصادية الكبرى والمشاريع الاستراتيجية
وللمحافظات التخطيط المحلي والمشاريع التنموية وجذب الاستثمارات.
في المجال
المالي تبقى للمركز العملة والضرائب الرئيسية والدين العام وللمحافظات الضرائب العقارية
ورسوم الخدمات واستثمارات الأصول المحلية، بالإضافة إلى المنح المركزية.
في الخدمات
يبقى للمركز التعليم العالي والصحة التخصصية والنقل الرئيسي وللمحافظات التعليم الأساسي
والثانوي والصحة الأولية والمياه والكهرباء والطرق المحلية.
في المجال
الثقافي يبقى للمركز السياسة الثقافية الوطنية والإعلام الرئيسي وللمحافظات دعم الثقافة
المحلية والتراث والفعاليات والمكتبات والمراكز الثقافية.
في الرقابة
يبقى للمركز الرقابة الدستورية والقضائية العليا والمحكمة الإدارية الموحدة وللمحافظات
رقابة داخلية محلية وديوان محاسبة محلي ينسق مع المركزي.
التمويل
يقترح
نموذج تمويل قائم على ثلاثة مصادر رئيسية:
·
الإيرادات الذاتية وتشمل الضرائب والرسوم
المحلية كالضرائب العقارية والرسوم التجارية ورسوم الخدمات والتراخيص.
·
المنح المركزية وتوزع وفق معايير واضحة
تشمل عدد السكان والمساحة ومستوى الفقر والاحتياجات التنموية.
·
الاستثمارات المحلية عبر الشراكة مع القطاع
الخاص في مشاريع البنية التحتية والخدمات.
خطة العمل المقترحة
يقترح
أن تمر عملية تفعيل الإدارة المحلية في سوريا بأربع مراحل زمنية
المرحلة
الأولى هي المرحلة التأسيسية وتستمر من 6 إلى 12 شهرا وتشمل إعداد الدستور وإقرار قانون
الإدارة المحلية ووضع الهياكل التنظيمية وتأهيل الكوادر القيادية.
المرحلة
الثانية هي المرحلة التجريبية وتستمر من 12 إلى 24 شهراً وتشمل تطبيق النموذج في 3
إلى 5 محافظات نموذجية وتقييم الأداء وتعديل التشريعات بناءً على الدروس المستفادة.
المرحلة
الثالثة هي مرحلة التوسيع وتستمر من 24 إلى 48 شهرا وتشمل تطبيق النموذج في جميع المحافظات
وإجراء أول انتخابات محلية وبناء أنظمة التمويل المحلية.
المرحلة
الرابعة هي مرحلة الاستدامة وتبدأ بعد 48 شهرا وتشمل تقييما شاملا وتعديلات تشريعية
ومؤسسية دورية وتعزيز المشاركة المجتمعية ونقل الخبرات بين المحافظات.
الخاتمة
في ختام
هذه الدراسة يمكن القول إن اللامركزية الإدارية ليست ترفا سياسيا أو إداريا بل ضرورة
حتمية لبناء دولة سورية جديدة قادرة على كسب ثقة مواطنيها وتحقيق تنمية عادلة ومستدامة
واحتواء الصراعات وتعزيز الوحدة الوطنية. النجاح في هذا المسار يتطلب أكثر من مجرد
تشريعات بل يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة وبناء مؤسسي قوي واستثمار في الكوادر البشرية
وشراكة حقيقية مع المجتمع المحلي.
التجارب
الدولية الناجحة في نيوزلندا وبريطانيا وماليزيا تثبت أن اللامركزية هي استثمار في
المستقبل بينما تحذرنا تجربة تركيا من أن القوانين وحدها لا تكفي وأن الاستقلال المالي
شرط أساسي وأن الرقابة المركزية إذا تحولت إلى تدخل وسيطرة فإنها تحول اللامركزية إلى
أداة للقمع لا للتنمية
أمام
سوريا الجديدة فرصة تاريخية لبناء نموذج إداري محلي رائد يكون نموذجا للدول العربية
والدول الخارجة من الصراعات. وهذا يتطلب جرأة في نقل الصلاحيات وحكمة في تصميم الضمانات
وصبر في التطبيق التدريجي وإيمانا راسخا بأن المواطن هو محور العملية التنموية وأن
الإدارة القريبة منه هي الإدارة الأكثر قدرة على خدمته وإسعاده.
التوصيات
على
المستوى الدستوري والتشريعي يوصى بإدراج نصوص صريحة عن اللامركزية الإدارية والمالية
في الدستور السوري الجديد وإقرار حزمة تشريعية متكاملة تشمل قانون الإدارة المحلية
وقانون الموازنات المحلية، وقانون الانتخابات المحلية، وقانون الرقابة المالية والإدارية.
على
المستوى المؤسسي والإداري يوصى بإنشاء هيئة عليا للإدارة المحلية لتنسيق السياسات ودعم
المحافظات وبناء أكاديمية وطنية للتدريب الإداري المحلي واعتماد نظام أداء ومؤشرات
قياس واضحة للمجالس المحلية.
على
المستوى المالي يوصى بتخصيص نسبة ثابتة من الموارد الوطنية للمحافظات بحيث لا تقل عن
25% من الموازنة العامة ومنح المحافظات صلاحية تحصيل ضرائب ورسوم محلية مع بناء أنظمة
تحصيل فعالة وإنشاء صندوق لدعم المحافظات الأقل نمواً.
على
المستوى المجتمعي يوصى بإطلاق حملات توعية وطنية حول حقوق وواجبات الإدارة المحلية
وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في مجالس استشارية محلية واعتماد آليات للمشاركة
الشعبية كالموازنات التشاركية والاستبيانات والمنتديات المحلية.
على
المستوى الدولي يوصى بالاستفادة من خبرات المنظمات الدولية في دعم الإصلاح الإداري
وتبادل الخبرات مع الدول الناجحة في اللامركزية وجذب الدعم الفني والمالي لبرامج بناء
القدرات المحلية.
المصادر
والمراجع....
1. أحمد
بدر الدين اللامركزية الإدارية والمالية في الدول العربية المركز العربي للدراسات،
2020.
2. بدر
العمراني الإدارة المحلية في القانون الدستوري المقارن دار النهضة 2019.
3. جمال
زيدان تجارب دولية في الإصلاح الإداري مجلة الإدارة العامة العدد 45، 2021.
4. خالد
أبو راشد الحوكمة المحلية في الدول الخارجة من الصراع مركز الدراسات الاستراتيجية.
5. منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية تقرير اللامركزية المالية في الدول الأعضاء.
6. البنك
الدولي الإدارة المحلية والتنمية: دروس من ماليزيا تقرير فني.
7. برنامج
الأمم المتحدة الإنمائي دليل الإدارة المحلية في دول ما بعد النزاع.
8. دساتير
وقوانين الإدارة المحلية في مصر والأردن وتونس.

ليست هناك تعليقات: