الكرد ومعاهدة سيفر.
نايف جبيرو
جاء في كتاب أمَّةٌ
في شقاق للكاتب والمفكِّر جوناثان راندل حديث عن معاهدة سيفر التي تمّ التوقيع
عليها بتاريخ /10 أغسطس آب 1920/ وعن المواد الواردة فيها والتي تتحدّث عن
الدَّولة الكرديَّة وعن الصِّيغة الَّتي كتبت بها هذه المواد. في هذه الدراسة
سنتحدَّث عن مواد هذه المعاهدة ودور الكرد
في زمن هذه المعاهدة واللغز الكامن في صياغة موادها, لأنَّ التَّاريخ كما يُقال قد
يعيد نفسه بنفسه.
يقول المؤلِّف
([1]) "ولكنَّ
المواد رقم /64,63,62/ من القسم الثَّالث من هذه المعاهدة, ظلَّت بالنِّسبة إلى أجيالٍ
عدَّة من الأكراد, دليلاً على حقوقهم وفقاً للقانون الدُّولي, وعلى خيانة القوى
العُظمى لهم في آنٍ معاً.
فقد نصَّت المادَّة /62/ على تعيِّين لجنة
دوليَّة تتولَّى الإشراف على إقامة منطقةٍ كرديَّة تتمتَّع بحكمٍ ذاتيٍّ برعاية
عصبة الأمم في المناطق الجبليَّة الَّتي لا تتجاوز مساحتها ثلث كُردستان, أيْ ما
يعرف الآن باسم جنوب تركيا شرقيَّ نهر الفرات........ في حين ألْزمت المادَّة /63/
من المعاهدة, السَّلطنة العثمانيَّة بالموافقة على نتائج تحقيق الَّلجنة, فإنَّ
المادَّة /64/ تشكِّل نموذجاً للصِّيَغ الدِّبلوماسيَّة العامَّة والملتبسة في آنٍ
معاً.
فقد نصَّت هذه المادَّة على أنَّه في حال طالب
سكَّان كُردستان الصَّغيرة, مجلس عصبة الأمم بمنحهم الاستقلال, وتمكَّنوا من إثبات
أنَّ أغلبيَّة السُّكَّان في هذه المناطق, ترغب فعلاً في الاستقلال عن تركيا, ورأى
المجلس أنَّ هؤلاء قادرون على ممارسة استقلالهم, ووافق على منحهم إيَّاه, فإنَّ
تركيا تتعهَّد منذ الآن, بالانصياع لهذه التَّوصية وبالتَّخلِّي عن جميع حقوقها في
هذه المنطقة. لكنَّ تتمة المادَّة 64 نصَّت أيضاً على أنَّه "لا يحقُّ لأيٍّ
من الدُّول الحليفة, الاعتراض في حال مطالبة الكُرد المقيمين في ذلك الجزء من
كردستان التَّابع في الوقت الحاضر لولاية الموصل بالانضمام إلى الدَّولة الكرديَّة
المستقلَّة"
ثمّ يسترسل المؤلِّف بالقول: "تمَّ ربط احتمال
استقلال كردستان المجدية, أيْ ولاية الموصل الغنيَّة بالنَّفط, وحقول كركوك
خصوصاً, بقيام دولة كرديَّة مستقلَّة في شرق تركيا. وكان الهدف الكامن خلف هذا
الإجراء, واضحاً جليَّاً للغاية, فقد احتلَّ البريطانيُّون السَّاعون إلى
السَّيطرة على حقول النَّفط, ولاية الموصل بعد أربعة أيَّامٍ على توقُّف القتال في
شهر تشرين الأوَّل من عام 1918, وكانوا مصمَّمين على الاحتفاظ بها, كانت هذه
الولاية الَّتي توازي كردستان العراق بأسرها, من نصيب فرنسا في البداية. ولكنَّ
باريس تنازلت عنها لقاء الحصول على23.3% من نفط كركوك وعلى هذا الأساس فإنَّ
الُّلغة الَّتي صيغت بها المادَّة /64/ ضمنت لبريطانيا بأنْ يطلب منها مجلس عصبة
الأمم فرض انتدابها على الموصل ونفطها". ثم يضيف المؤلِّف: "لم
يتم تصديق معاهدة سيفر أبداً, وبنتيجة ذلك لم يتمكَّن الأكراد وحدهم دون سائر
رعايا السَّلطنة العثمانيَّة, من إقامة دولتهم, بل تمَّ توزيع أراضيهم على تركيا,
وسوريا, والعراق, وما زالوا حتَّى اليوم على هذه الحال"
تفكيك
وتحليل ما بين السطور.
العبرة من الدراسة والأحداث التي كانت
قد حدثت في الماضي, وشكَّل انعطافة سوداء لقضيَّة الشَّعب الكردي, في وقتٍ كانت
تُرسم فيها الخرائط, ليس إعادة بسط وعرض إحداثيَّات ما تمَّ وانتهى, بل العبرة
التعقُّل وأخذ الدَّرس ممَّا كان قد حدث,
من خلال تفكيك وتحليل إحداثيَّات ما كان قد حدث, والعمل على تهيئة الأجواء
لاحتماليَّة عودة ما يماثل تاريخ ما كان قد حدث وانتهى, لكن ليس بالشَّكل الَّذي
كان قد حدث وتمَّ, بلْ بالشَّكل الَّذي يخدم مصالح شعبك الكردي وما تتوخَّاه
وتتمنَّى.
لنقرأ بأنَّ التَّاريخ ليس إلَّا
تراكم ذاكرة الماضي, بكلماتٍ وأحرفٍ مرصوفةٍ بين دفَّتي كتبٍ, لمفكِّرين وكتَّابٍ
ومؤرَّخين, بذلوا جلَّ ما ملكوا في الحياة من خبرةٍ وجهدٍ, ووعيٍ ومعرفةٍ, لكي
يوصلوا إلينا أخبار التَّاريخ, والَّذي قد يعود إلينا مرَّةً أخرى بظروفٍ
تاريخيَّة مشابهة كما كانَ قد عاد إليهم من غابر الزَّمان, لنكون فاعلين في عودتها
بحنكةٍ وذكاء, لا منفعلين ومغفَّلين عن كلِّ ما يجري في كواليس السِّياسة
ودهاليزها, ولنجعل من إحداثيَّاتها المعاصرة لزمننا ولحياتنا اليوميَّة تسير في
المنحى كما نريد لا كما يريدها الآخرون من الأعداء والمتربِّصين, لأنَّ التَّاريخ
لا يرحم ولا يبالي بمن يعاتب ويلطم على وجهه من ظلم ظالمٍ سيَّر إحداثيَّات
التَّاريخ حسب مشيئته وإرادته.
نعود لنقول: لقد
تحدَّث المؤلِّف في هذه الجزئيّة الخاصَّة بمعاهدة سيفر عن جانبٍ مهمٍّ من ثقافة
الكرد في تلك المرحلة وإلى يومنا هذا, التي تتميَّز في بعض جوانبها برفع المسؤوليَّة
عن كاهلهم وتبرئة أنفسهم من الفشل وإلقاء الَّلوم والعتاب على الآخرين, عندما
يقول: ولكنَّ المواد رقم /64,63,62/ من القسم الثَّالث من هذه المعاهدة ظلَّت
بالنِّسبة إلى أجيالٍ عدَّة من الأكراد, دليلاً على حقوقهم وفقاً للقانون
الدُّولي, وعلى خيانة القوى العُظمى لهم.
هنا وإنْ لم يكن
المؤلِّف قد قصدها, فإنَّه يُظهر تلك الثَّقافة الَّتي تتمسَّك بمواد هذه المعاهدة
ولا يزال, الَّتي لم يقدِّم الكرد في حينها ما يلزم من جهدٍ في صياغتها, أو وضعها
موضع التنفيذ والَّتي جاءت شكلاً بما يضمن حقوقهم وفق القانون الدُّولي, أو إدراك
ما كان يخطِّطه الأعداء من سياساتٍ لإفراغ هذه المعاهدة من مضمونها الفعلي. تلك
المواد الَّتي خطَّها وصاغها الآخرون بحسب مشيئتهم والتَّحكُّم بها, فأعدُّوا لها
الصِّياغة والطَّريقة الَّتي تخدم مصالحهم دون مصالح المغفَّلين, تلك الثَّقافة
الَّتي عادت كما كانت لتكرِّر نفسها بنفسها بعد خيبة الأمل, وتنتهج سياسة العتاب
والمظلوميَّة, الَّتي لا تجدي نفعاً, ولا تجد آذاناً صاغية, في مجتمعٍ دوليٍّ غاب
عنه مفردة الضَّمير منذ الأزل, ولا يعرفُ من الحقوق سوى مصالحه. هذه الثَّقافة
الَّتي يجب أنْ تتغيَّر, وتنتقل من موقع العتاب والمظلوميَّة إلى موقع ثقافةٍ
قائمةٍ على أسس العمل وبذل الجهد لترتيب وتسيِّير الأمور, وإحداثيَّات الواقع إلى
حيث يخدم قضيَّة شعبٍ محرومٍ من كيانٍ خاصٍّ به على أرض أجداده.
إنَّ مسألة نصوص مواد هذه المعاهدة,
وطريقة صياغة موادها الَّتي أوحت في ظاهرها التَّرتيب لإقامة دولةٍ كرديَّةٍ,
وبعثت الآمال في نفوس الملايِّين من الكرد,
كان من الممكن أن تكون كذلك من النَّاحية العمليَّة وتحقِّق إقامة الدَّولة
الكرديَّة على أرض الواقع لو كانت الرُّؤية السِّياسيَّة لقادة الكرد آنذاك صحيحة وواضحة
في قراءة الأوضاع, ولم يقعوا في خطأ
تحالفاتهم واصطفافاتهم, لكنَّهم وبكلِّ أسف أخطأوا الهدف ولم يلتفُّوا
حول صاحب القرار, بل سارعوا إلى الالتفاف حول من كان ينتظر النِّعمة من صاحب
القرار, ممَّا كان من شأن ذلك أنْ شكَّل أحد أهمَّ الأسباب لطَي صفحة اتِّفاقيَّة
سيفر ونسيان المواد الخاصَّة فيها بالكرد ونجاح اتِّفاقيَّة لوزان عام 1923م, ولم يكن
ما سمِّي بالغدر من قبل الحلفاء كما يوسمها المهزوم عادةً إلَّا كإحدى العوامل
الثانويَّة لفشل معاهدة سيفر.
إنَّ العودة إلى زمن المعاهدة وحسب
الوثائق التَّاريخيَّة تظهر بأنَّ الكرد في مرحلة الحرب العالميَّة الأولى كانوا
بالنِّسبة للبريطانيِّين أمةً موجودةً تحتاج إلى الاستقرار في أرضها الخاصَّة بها
من ضمن الدَّولة العراقيَّة الوليدة, ولكن في المؤتمر الذي أعقب الحرب تراجعت
القوى العُظمى عن قرارها الأوَّلي بإعطاء الكرد دولة, خوفاً من التَّداعيَّات
المحتملة لهكذا قرار على قابليَّة العراق للحياة كدولة وعلى التَّوازن الإقليمي للقوى الدَّوليَّة([2]),
إضافةً إلى انقسام الكرد الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تفرُّقهم وبروز أربع مجموعات متضاربة
في تحالفاتها في مرحلة ما بعد الحرب العالميَّة الأولى.
إنَّ الوقوف على مواد معاهدة سيفر
الخاصَّة بالكرد وتفكيكها ليست الغاية منها جلد الذَّات أو معرفة أنَّه في حينها
كانت توجد خيانةٌ وغدرٌ بحقِّ الكرد, أو الغاية معاتبة من كان قد صاغ هذه المواد,
بالطَّريقة الَّتي أدَّت إلى ما انتهت إليها المعاهدة, وما تضمَّنت من مواد فحسب,
بلْ الغاية الاستفادة من تجارب الماضي, الَّتي كانت بمثابة لدغةٍ سامَّةٍ أودت
بقضيَّة شعبٍ إلى غرفة الإنعاش لعشرات السِّنين, ومعرفة مواضع الخلل والتَّقصير,
الَّذي وقع فيها ممثِّلي الكرد آنذاك, ليس لغاية محاسبتهم, فهو أمر قد مضى وانتهى,
لكن لغاية أخذ العبرة منها, والعمل على تجنُّب الوقوع في نفس الخطأ إنْ حدث وأعاد
التَّاريخ نفسه.
لنعد الآن إلى النُّصوص وغفلة العقول
والنُّفوس ولعبة الُّلصوص في صياغة المواد والنُّصوص, صيغت مواد هذه المعاهدة في /10/ آب سنة 1920
وبإرادة فرنسيَّة وبريطانيَّة ولم تتمَّ المصادقة عليها في نهاية المطاف.
والسُّؤال لماذا لم تتم المصادقة؟
والذين قاموا بصياغة المعاهدة كان
بيدهم كلَّ شي. والجواب: لنعد إلى ما قبل هذه المعاهدة, وإلى ما بعدها وماذا كانت
تطبخ خلف الكواليس؟
قبل هذه المعاهدة جاءت اتِّفاقيَّة
سايكس بيكو السِّريَّة([3])
لعام 1916 والموقَّعة بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصريَّة لتقسيم مناطق
النِّفوذ والاحتلال للأراضي العربيَّة والآسيويَّة التي كانت تابعة للدَّولة
العثمانيَّة, وكان نصيب روسيا في هذه الاتِّفاقيَّة سيشمل كلَّاً من أرمينيا
وأراضي شمال كردستان,
وأجزاء من جنوب كردستان ,
بينما تُتْرك كردستان الشَّرقيَّة لإيران, إلَّا أنَّ اندلاع ثورة أكتوبر
1917وسيطرة الشّيُوعيِّين على الحكم وخروج روسيا من الحرب ونشرها لهذه
الاتِّفاقيَّة السِّريَّة أربك خطط بريطانيا وفرنسا الأمر الذي أرغمهما إلى
تعديلها في مؤتمر الصلح في باريس /30/ كانون الثَّاني عام 1919 بقرارٍ يقضي بفصل
أرمينيا وبلاد العرب عن باقي الأراضي التُّركيَّة, وإجراء استفتاءٍ بين السُّكَّان
بهدف تقرير المصير واختيار الدَّولة المنتدبة عليها عملاً بأحكام المواد
5,4,3,2,1, من مقرَّرات المؤتمر, وهذا يعني أَّنه وفي حينها وقبل عقد معاهدة سيفر
في /10/ آب 1920 كان قد تمَّ اتِّخاذ القرار برسم الحدود, وتحديد مناطق النِّفوذ,
ومنها كان مقرَّراً ترسيم الحدود لدولتي العراق وسوريا, وإلحاق جزءٍ من كردستان
بسوريا, وجزءٍ بالعراق, ولغايات سياسيَّة خاصَّة بالدُّول المعنيَّة آنذاك فرنسا
وبريطانيا, والسُّؤال الَّذي يطرح نفسه هنا, إذا كان الأمر كذلك فما الَّذي أجبرت
دول التَّحالف وبصورة خاصَّة فرنسا وبريطانيا, أو دفعت بهما لعقد معاهدة سيفر
وتضمين الفصل الثَّالث منها بتلك المواد الخاصَّة بالكرد وبالدَّولة الكرديَّة؟
ثمَّ التَّراجع عن تنفيذها, مع علمنا أنَّ الكرد في حينها لم يكن لهم الدَّور
الفعَّال على المسرح الدُّولي وبالشَّكل المطلوب؟ بالعودة نجد أنَّ معاهدة سيفر قد
تمَّت في سنة 1920 شكلاً, وتركَ تنفيذ مضمونها مرهوناً بصورة غير مباشرة
بالتطوُّرات والتبدُّلات الإقليميَّة وبإرادة الدُّول الَّتي ساهمت لعقد هذه
المعاهدة بريطانيا وفرنسا من خلال طريقة صياغة موادها وشروط تنفيذها, وبشكلٍ
تؤدِّي تلقائيَّاً إلى تعطيل المعاهدة وعدم تنفيذ موادها على أرض الواقع, إنْ لم
تحقِّق تنفيذها مصالحهم كما يريدون وكما خطَّطوا لها.
من الطبيعي أنَّ بريطانيا وفرنسا كغيرهما من
الدُّول أثناء وبعد انتهاء الحرب العالميَّة الأولى تبحثان عن حلفاء حقيقيِّين
لتأمين مصالحهما في الشَّرق الأوسط, وبما أنَّ مواد هذه المعاهدة في قسمها
الثَّالث من الباب الثَّالث تخصُّ إقامة دولة كرديَّة, وأنَّ فرنسا وبصورةٍ خاصَّة
بريطانية هما مَنْ يقرِّران تنفيذ هذه المواد وإقامة هذه الدَّولة من عدمها, فإن
هذه الدَّولة في حال إقامتها يجب أن تكون قادرة على حماية مصالح الدَّولتين, لكن
وبعد حصول اقتناعٍ محقَّق لدى الدَّولتين عدم إمكانيَّة هذه الدَّولة القيام بهذه
المهمَّة لأسباب عديدة سنذكرها خلال السرد الآتي, فإنَّ مواد هذه المعاهدة بحدِّ
ذاتها ومن خلال طريقة صياغة موادها وإرادة بريطانيا وفرنسا تؤدِّي إلى إبطالها
وتعطيلها.
فالمادَّة/62/ من المعاهدة نصَّت
بشكلٍ صريح على تعيِّين لجنة دوليَّة تتولَّى الإشراف على إقامة منطقةٍ كرديَّة
تتمتَّع بحكمٍ ذاتيٍّ برعاية عصبة الأمم في المناطق الجبليَّة الَّتي لا تتجاوز
مساحتها ثلث كردستان. ثمَّ جاءت نصُّ المادَّة /63/ من المعاهدة, بإلزام السَّلطنة
العثمانيَّة بالموافقة على نتائج تحقيق الَّلجنة. إلى هنا نصَّ المادَّتين تظهران
بأنَّ الغاية من عقد المعاهدة هي العمل على إقامة دولةٍ كرديَّة إذاً أين تكمن
المشكلة؟ تكمن المشكلة.
أوّلاً: في تكملة نصِّ المادَّة /64/ عندما تقول أنَّه "لا يحقُّ
لأيٍّ من الدُّول الحليفة, طبعاً منهما فرنسا وبريطانيا الاعتراض في حال طالب
الأكراد المقيمون في ذلك الجزء من كردستان التَّابع في الوقت الحاضر لولاية
الموصل, أيّ منطقة النِّفوذ البريطاني بالانضمام إلى الدَّولة الكرديَّة
المستقلَّة"
وثانياً: في تلك الحسابات السِّياسيَّة المسْبقة التي وضعتها كلَّاً من فرنسا
وبريطانيا لحماية مصالحها, وإبقاء قرار تنفيذ مواد المعاهدة مرهونةً بإرادتهما
سلباً أو إيجاباً, باعتبارهما وضعا المعاهدة, فجاء تحديد مساحة الدَّولة الكرديَّة
الموعودة وبنصَّ المادَّتين /63,62/ بأقلَّ من ثلث مساحة كردستان الملحقة آنذاك
بالدَّولة العثمانيَّة, وترك الثُّلثين الآخرين من كردستان, كمنطقتي نفوذ لفرنسا
وبريطانيا, خارج إطار هذه الدَّولة, ثمَّ تضمين نصَّ المادَّة/64/ من المعاهدة
صيغة قانونيَّة تعطِّل تنفيذ نصَّ
المادَّتين/62-63/ بشكلٍ ذكي ومدروس, في حال إنْ وجدت الدَّولتان فرنسا وبريطانيا
أنَّ الدَّولة الكرديَّة الصَّغيرة الموعودة غير قادرة على حماية مصالحهم في
المنطقة ككل, مع علمنا أنَّ ولاية الموصل
كانت في البدء منطقة نفوذ فرنسي تنازلت عنها لبريطانيا مقابل 23.3% من
واردات نفط ولاية الموصل, أيْ أنَّها أصبحت منطقةً للنِّفوذ البريطاني, وفي حال
رغبة الكرد في هذه الولاية الانضمام إلى هذه الدَّولة يعني خروجها من تحت سيطرة
النِّفوذ البريطاني بموجب تتمَّة نصَّ المادَّة /64/ التي تقول: "ولا يحقُّ
لأيٍّ من الدُّول الحليفة الاعتراض", وبالتَّالي خسارة بريطانيا منطقة نفوذها
في الموصل وخسارتها لمصالحها في المنطقة انطلاقاً من قناعتها أنَّ الدَّولة
الكرديَّة المنشودة لن تكون دولة حليفة وقادرة للقيام بهذه المهمَّة.
لكن
كيف استدركت بريطانيا أَّنَّ الدَّولة الكرديَّة المنشودة غير قادرة للقيام بهذه
المهمَّة؟
جاء نصُّ المادَّة /64/ نموذجاً للصِّيغ
الدِّبلوماسيَّة العامَّة والملتبسة في آنٍ معاً إذاً تكملة نصَّ هذه المادَّة,
عطَّلت تنفيذ المعاهدة بالكامل وألغت فكرة إقامة الدَّولة الكرديَّة موضوع نصَ المادَّتين 62و63 عندما وجدت بريطانيا أنَّ
إقامة هذه الدَّولة ستؤدِّي إلى فقدانها لمنطقة نفوذها ولاية الموصل, بعد اقتناعها
أن تلك الدَّولة لن تكون التي تتوخَّى منها حماية مصالحها ولأسباب عديدة, ولم يأت
الاقتناع البريطاني وليد صدفةٍ أو بين
ليلةٍ وضحاها, بل أنَّ بريطانيا قد حاولت عن طريق ممثِّليها في المنطقة أنْ يكون الأكراد
الحليف الاستراتيجي الَّذي يمكنها من الاعتماد عليهم لتحقيق هذا الغرض, لكنَّها
فشلت في أنْ يضمن أنْ يكون الأكراد هم الخيار الأفضل, حيث كتبت إيراندوست البرافدة
25/9/1924 بهذا الشَّأن ما يلي: إنَّ الحركة الكرديَّة القوميَّة التي اعتمد عليها
الُّلورد كيرزون, أخذت تتطوَّر تطوراً
مستقلاً, وهي تتعقَّب أهدافها الخاصَّة, الَّتي تختلف اختلافاً تاماً عن نهج
الحفاظ على المصالح البريطانيَّة في مسألة الموصل([4]),
هذا التَّطوُّر في بنية الحركة الكرديَّة شكَّل قلقاً وتردُّداً في السِّياسة
البريطانيَّة حول إقامة الدَّولة الكرديَّة من عدمها, وقد ورد في الوثائق البريطانيَّة
إنَّ حكومة صاحب الجَّلالة مستعدَّة أنْ تضع شرطاً بهذا الخصوص, إذا ما رغب
الأكراد بالتَّحرُّر من الأتراك, في المعاهدة التُّركيَّة وتقديم الدَّعم المعنوي التَّام للأكراد لتحقيق هدفهم
([5])
, إلَّا أنَّها تشعر أنَّها مقيَّدة بهذا الصَّدد بسبب عدم توفُّر المعلومات
الكاملة حول رغبات الأكراد ككل ولعدم وجود شخصيَّة كرديَّة قويَّة تمثِّل الأكراد
لطرح قضيَّتهم أمام المؤتمر, وقد ازداد وتيرة هذا القلق بسبب الظُّروف الدَّوليَّة السَّريعة
المتغيِّرة والخوف من المسؤوليَّة والتزاماتها العسكريَّة والماديَّة
والسِّياسيَّة.
وكانت البدائل الَّتي تحاول بريطانية تبنِّيها
في كلِّ مرَّةٍ تناقض الواحدة الأخرى, ففي اجتماعات مشتركة([6])
بأواخر سنة 1919 وأوائل 1920 بين موظفي مكتب الخارجيَّة البريطانيَّة ومكتب
المستعمرات, ومكتب الحرب, ومكتب الجو, ومكتب الهند, تمّ مناقشة ثلاثة مقترحات,
الأول كان منصبَّاً على تشكيل نطاقٍ من الدُّول الكرديَّة الصَّغيرة المتمتِّعة
بالحكم الذاتي تحيط بحدود ولاية الموصل, ثمَّ جاء الاقتراح الفرنسي بتقسيم كردستان بين دائرتي النِّفوذ البريطاني
والفرنسي, ثمَّ جاء الاقتراح الثَّالث بانسحاب بريطانيا من كردستان وتركها
تواجه مصيرها وحدها, لكنْ وقبل اتِّخاذ أي قرار ولغرض الوقوف على وجهة نظر الشَّعب
الكردي وقادته بصدد شكل الحكومة الكرديَّة الَّتي يمكن تشكيلها في دولة كردستان
المستقلَّة فقد تمَّت مفاتحة المندوبين السَّاميِّين البريطانيِّين في استنبول
وبغداد وتوجيه الاستفسارات حول الموضوع, ولم تكن الأجوبة مشجِّعة فقد أكَّد
المندوب السَّامي البريطاني في استنبول أنَّ الجنرال شريف باشا شخصيَّة غير ملائمة وليست له أيَّة
سلطة أو نفوذ بين الأكراد لذا لا يمكن اعتباره ممثِّلاً للرَّأي العام الكردي.
وأفاد المندوب السَّامي في بغداد بأنَّه لا يوجد
هناك كرديٌّ مؤهَّل للتَّحدث باسم كل كردستان ولا يُعرف أحدٌ بمثل هذه الصِّفات, كما
أعرب الُّلورد كرزون رئيس الوفد البريطاني إلى محادثات السَّلام, عن يأسه من إمكان
تحديد مطالب الأكراد قائلاً: بعد إجراء العديد من التَّحقيقات في القسطنطينيَّة
وبغداد وغيرها من المدن وجدْتُ أنَّه من المستحيل العثور على أيَّ ممثِّل للأكراد
ككل. وعلى ما يبدو ما من كرديٍّ يستطيع أنْ يمثِّل ما هو أكثر من عشيرته. وكتب
هولر ممثَّل بريطانيا من استنبول معرباً عن رأيه حول الكرد قائلاً: أعتقد أنَّه
ينبغي ترك المسألة الكرديَّة بالدَّرجة الأولى للكورد أنفسهم, وتحقيق خلاصهم
وتحرير أنفسهم من الأتراك ثمَّ أضاف فالكُرد يشبهون قوس قزح فيهم طيفٌ من كلِّ
لون.
ويبدو أنَّ رأي
هولر كان مبنيَّاً على حقائق, والَّذي ظهر من خلال ما جاء في البيان الذي أصدرته
كلَّاً من الحكومتين البريطانيَّة والعراقيَّة في الأوَّل من الكانون الأوَّل عام
1922 حيث ورد فيها: (إنَّ كلَّاً من
حكومتي جلالة الملك وحكومة العراق بريئتان تماماً عن أيِّ التزامٍ قد يسمح بإنشاء
دولةٍ كرديَّة إثر الإخفاق الكامل للعناصر الكرديَّة حتَّى لحظة إعداد هذا البيان
من مجرَّد محاولة التوصُّل إلى اتفاقيَّةٍ فيما بينهم أو تقديم أيَّة مقترحات
محدَّدة).
والسُّؤال الذي
يطرح نفسه هنا وبإلحاح وربَّما من قبل أيِّ شخصٍ كان, ما هي الأسباب التي منعت
الكرد من أنْ يتَّفقوا على كلمة سواء؟ ويحدِّدوا خياراتهم بالتَّحالف الاستراتيجي
مع الدَّولة البريطانيَّة صاحبة القرار الفصل في الخيارات الدَّوليَّة رغم أنَّ
اتِّفاقهم كان سيبني لهم دولة مستقلَّة, لا شكَّ أنَّ خلْف عدم الاتِّفاق الكردي أسبابٌ عديدة منها ما
هو متعلِّق بسيكولوجيتهم الخاصَّة الَّتي يطول شرحها, لكنَّ السبب المباشر لعدم
هذا الاتِّفاق يمكن تصوُّرها من شقَّين مرتبطين ارتباطاً عضويَّاً.
الشقُّ الأوَّل: يتمحور حول الأكراد ورؤوسائهم([7])
الَّذين كانوا يقظين إلى غاية الدَّرجة مقابل بعضهم البعض, وكانوا يراقبون تحرُّكات بعضهم جيَّداً, الطَّالبانيِّون كانوا حذرين
من تحرَّكات الشِّيخ محمود, والبدرخانيِّون كانوا مضطَّلعين على كل ما يقوم به
الشِّيخ عبدالقادر النَّهري, وجميهم كانوا يراقبون شريف باشا. والسُّؤال لماذا لم
يروا هذا التَّغيِّير المهم في الموقف العالمي؟ الذي أدَّى إلى إخراج قضيَّتهم عن
كلِّ المحافل الدَّولية لتنحصر في نزاعٍ بين دولتين وفي النِّهاية كتم المسألة
بالكامل. هل يعتبر هذا نتيجة خطأ دبلوماسي وقع فيها الكرد؟ أم كانت غفلة عن مصيرهم
ومصير أجيالهم؟ أم أنَّ أولويَّات القادة الكرد كانت مسائل أخرى غير القضيَّة
المصيريَّة لشعبهم؟ بدون شكّ هي مسألة أكبر وأهمُّ من أن تكون مجرَّد خطأ
دبلوماسي, أو ضيق أفق سياسي, بل هي كانت غفلة الموت الحقيقيَّة الَّتي أصابت
القادة الكرد وسبَّبت الكارثة التي نعرف نتيجتها نحن جميعاً, فكانوا حسَّاسين أمام
الصِّراعات الشَّخصيَّة فيما بينهم, ولكن كانوا غافلين عن مصير شعبهم.
والسُّؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصَّدد أيضاً,
هل الحركة السِّياسيَّة الكُرديَّة والكُردستانيَّة في زمننا هذا ونحن في العقد
الثَّالث من القرن الواحد والعشرين قد أدركوا هذه الحقيقة الَّتي غابت عن أعين
قادة الكرد في تلك الفترة, ونحن نعيش ظروفاً مشابهة لظروف ما بعد الحرب العالميَّة
الأولى والثَّانية خاصَّةً في كلٍّ من سوريا والعراق؟
رغم التَّطوُّر الهائل للعلم والمعرفة الَّذي
أصاب كافَّة الشُّعوب فإنَّ رموز الحركة السِّياسيَّة الكردية والكردستانيَّة على
ما يبدو حتى الآن إلَّا ما ندر لا زالت تجسِّد نفس عقليَّة قادة الكرد لتلك
الفترة.
أمَّا الشَّقُّ
الثَّاني من الأسباب: فكان يتعلَّق بالسَّياسة الممنهجة التي مارسها أعداء الكرد
خلال تلك الفترة من الزَّمن, وبصورةٍ خاصَّة منها سياسة الأتراك, حيث يذكر
الدَّكتور عبدالله محمد علي العلياوي([8])
أستاذ التَّاريخ الحديث المساعد في جامعة صلاح الدِّين بأربيل, أنَّ من أهمِّ
أسباب فشل معاهدة سيفر:
أوَّلاً: صعود نجم مصطفى أتاتورك
والحركة الكماليَّة, وتوسيع مناطق نفوذها, إضافةً إلى تأسيس المجلس الوطني الكبير
في أنقرة بديلاً لسلطة الأستانة.
ثانياً: خوف الدُّول الأوروبيَّة,
وبالأخص بريطانيا, من استغلال الشُّيوعيِّين في الاتِّحاد السُّوفيتي الصِّراع
الكمالي الأوروبِّي لصالح نفوذهم في المنطقة.
ثالثاً: ذكاء مصطفى كمال باستغلاله
الصِّراع الدُّولي لإلغاء معاهدة سيفر وقبرها.
فالحركة الكماليَّة في حينها وفي
الوقت المناسب استطاعت قراءة طلاسم هذا الُّلغز في السِّياسة البريطانيَّة,
والدَّوليَّة ومن ثمَّ اتَّبعت سياسة
ممنهجة, في المساهمة لتفريق الكرد وتشتيتهم وضرب بعضهم ببعض, وكسب البعض الآخر
منهم إلى جانبها لدعم حرب الاستقلال في حربها ضدَّ بريطانيا, كعمليَّة استباقيَّة
لحشر بريطانيا في زاويةٍ ضيَّقة ودفعها للتَّخلِّي عن الكُرد تمهيداً لإبطال
وإفراغ معاهدة سيفر من مضمونها وقبل تنفيذها, وقد جاء تأكيدٌ لحقيقة هذه السَّياسة
في الفقرة العاشرة([9])
من برقيَّة المندوب السَّامي في العراق إلى وزير المستعمرات والمؤرَّخة في /26/ آب
1921 بأنَّ القوَّات البريطانيَّة في اشتباكٍ مستمر مع القوَّات الكُرديَّة
الموالية للحركة الكماليَّة الَّتي كانت تكسب العناصر القياديَّة للحركة الكُرديَّة
إلى جانبها باسم الإسلام والجهاد, وكانت القبائل السُّورجيَّة وبعض عشائر الخوشناو
من القبائل الموالية لحكومة الجنرال مصطفى كمال قد أعلنت ولاءها للأتراك, ونظراً
لإعلان العلماء الكُرد في المنطقة, منطقة رواندوز الجهاد باسم الإسلام لمجابهة
الإنكليز وانضمام قسمٍ من عشائر خوشناو الكُرديَّة إلى جانب الأتراك بدأت
سطوة ونفوذ العشائر الكُرديَّة الموالية لبريطانيا تضعف في كوردستان العراق. لهذا
اعتبر حرب الاستقلال الَّتي قادها مصطفى كمال لتحرير الأناضول, بدعم كُردي, سبباً
آخر لفشل سيفر إضافةً إلى عوامل وأسباب أخرى منها مخاوف القوى العظمى([10])
في حينها أنَّ خلق كُردستان كان مشروعاً مُكْلفاً يحتاج إلى مساعدات ماليَّة
وعسكريَّة, ناهيك عن الحاجة إلى دعمه ضدَّ دول إقليميَّة, والكُرد هم في حالة
انقسامات سياسيَّة حادَّة فيما بينهم
وفيما بينهم وبين الآخرين بالتَّرافق من أنَّ أيَّ دولة كرديَّة محتملة ستكون
من دون أيَّ منفذ طبيعي إلى البحر ستشكِّل كعامل مهم لتفتِّت الكرد, وستصعِّب
مهمَّة حماية هذه الدَّولة.
كان السُّلطان([11]) قد أوصل الدَّولة
العثمانيَّة إلى الفناء ووقَّع على وثيقة الزَّوال بالنسبة للأتراك لكنَّ الأتراك
كشعب لم يرضوا بهذا القدر, وخلقوا قائدهم أو منقذهم الَّذي غيَّر الهزيمة إلى نصر.
ظهور مصطفى كمال أتاتورك في هذه الَّلحظة
المصيريَّة غيَّر المعادلة بالنِّسبة إلى الأتراك إلى نقيضه, استطاع مصطفى كمال أن
يحارب على عدَّة جبهات سياسيَّة وعسكريَّة, داخليَّة وخارجيَّة, وأن ينتصر في
النِّهاية في معركة دبلوماسيَّة تاريخيَّة. أمَّا الحال بالنِّسبة
للكرد فكان مغايراً تماماً. حاول الإنكليز إيجاد شخصيَّات كُرديَّة لجمع شمل الكُرد,
وترتيب البيت الكُردي, لكنَّهم لم يفلحوا في ذلك, اختاروا الشِّيخ محمود الحفيد
لكنَّه انحاز إلى التحَّالف مع الأتراك وأعلن نفسه ملكاً على كُردستان, وبذلوا
جهوداً مماثلة مع سيِّد طه النَّهري لكنْ دون جدوى, كما كانت لهم آمالٌ في سمكو
شكاكي لم تتحقَّق.
وكان البدرخانيُّون ما زالوا موجودين في
السَّاحة, وكان أكثر رؤوساء العشائر الكرديَّة يغيِّرون جبهاتهم بين الأتراك
والبريطانيِّين, ولكن في النِّهاية أصبح واضحاً لدى دول الحلفاء أنَّ الكرد
يتصرَّفون كعشائر وجماعات وليس كشعبٍ أو قوميَّة, ولم يستطيعوا أنْ يختاروا من
بينهم من ينوب عنهم في المحافل الدَّوليَّة. إنَّ فقدان قيادة قويَّة قادرة على
أنْ تتحَّمل مسؤوليَّة قضيَّةٍ معقَّدة كقضيَّة الشَّعب الكردي وأنْ تنظِّم قواه
الدَّاخليَّة والخارجيَّة في مقابل خصمٍ وعدوٍّ متغطرس يدرك ويتقن فنَّ ممارسة
السِّياسة والدُّبلوماسيَّة في الوقت المناسب هي السَّبب الأكبر والأهم وراء فشل
الكرد في تلك المرحلة والمراحل الأخرى أيضاً.
بدأ الأتراك
أوَّلاً بعزل مئات الآلاف من الكرد عن بعض الزُّعماء القوميِّين الكرد من
البدرخانيِّين والنَّهريِّين, وبحجَّة الانسحاب من أمام القوَّات الرُّوسيَّة. تلك
السِّياسة التي أشار إليها مينورسكي بالقول: يجب أنْ لا نسكت عن عملٍ يجهله
الكثيرون, ألا وهو الإبعاد الجماعي للكرد خلال الحرب الأولى 1914- 1918, وقد تمَّ
ذلك تحت غطاء الانسحاب أمام التقدُّم الرُّوسي, في حين أنَّ هدفه كان تجريد الكرد
من هويَّتهم القوميَّة بعد إبعادهم عن زعمائهم التَّقليديِّين وتشتيتهم في المدن التُّركيَّة([12]).
وقد شمل هذا الإجراء التَّعسفي /700,000/ شخص مات كثيرٌ منهم أثناء عمليَّة
إجلائهم. استمرَّت السِّياسات التُّركيَّة الممنهجة ضدَّ الكرد في عهد الكماليِّين, في فترة ما بعد
انتهاء الحرب العالميَّة الأولى, وإلى ما بعد اتفاقيَّة لوزان, وقد تميَّزت نتائج
تلك السِّياسات بالتَّشتُّت والانقسام الكردي على كافَّة الأصعدة, السِّياسيَّة
منها والعسكريَّة, من حيث أنَّ القادة الكرد في العراق تحالفوا مع الأتراك ضدَّ
الإنكليز في العراق, وتحالف قادة الكرد في تركيا مع الإنكليز لمحاربة الأتراك
وبالتَّالي كان حضور الإنكليز والأتراك على طاولة الحوار في مؤتمر لوزان - بعد
اضطِّلاع الحكومة البريطانيَّة على تقارير ممثِّليها حول الكرد- تمَّ على أساس
الوصول إلى توافق بين الأتراك والإنكليز على تنازل كلا الطَّرفين عن دعمهم للكرد,
فتنازل الأتراك عن دعم الأكراد الَّذين يحاربون الإنكليز في مقابل تنازل الإنكليز
عن دعم الكُرد الَّذين
يحاربون الأتراك, ولتكون النَّتيجة حلَّ المشاكل بين الدَّولتين على حساب حقوق
الشَّعب الكردي, وعلى هذا الأساس ارتضى الإنكليز ببيانٍ حول أنَّ النُّوَّاب الكُرد
في مجلس الأمَّة الترُّكي الكبير يجيبون عن تحديد مفهوم الأقليَّة وعن طبيعة
المطالبات الكرديَّة, وبهذا الصَّدد تمَّ توجيه استفسارٍ عام 1922 بالتِّلغراف([13])
إلى مجلس الأمَّة التُّركي الكبير, فانعقد
اجتماعٌ استثنائي للمجلس, وطلب فيه مصطفى كمال من النُّوَّاب الكُرد الإدلاء برأيهم بهذا الشَّأن, وردَّاً على ذلك, أعلن حسين بك عوني عن
أرضروم: إنَّ هذه البلاد هي للكُرد وللترك,
ومن هذه المنصَّة تمتلك أمَّتان فقط حقَّ الكلام هما: الأمَّة الكُرديَّة والأمَّة
التُّركيَّة, وقد أيَّده في ذلك نائبان عن ديرسم هما: حسن خيري, ورامز, وعن أورفة
بوزان بك وشاهين, وكذلك النُّوَّاب الكُرد عن بالو, ووان وبدليس وملاطية, بل وكل
النُّوَّاب الكُرد في المجلس, هذا وبعد أنْ نال مجلس الأمَّة التُّركي الكبير
موافقة النُّوَّاب الكُرد أرْسِل إلى لوزان برقيَّة جوابيَّة, جاء فيها: إنَّ الكُرد لا ينفصلون عن الأتراك أبداً, بعد ذلك أعلن رئيس الوفد التُّركي عصمت
باشا وهو كردي أنَّ تركيا هي للشَّعبين التُّركي والكردي المتساويين أمام
الدَّولة, ويتمتَّعان بحقوق قوميَّة متساوية, وبعد أنْ وجد المشاركون في مؤتمر
لوزان أنفسهم أمام واقعة, وهي أنَّ النُّوَّاب الكُرد لا يريدون انفصال كردستان عن تركيا, وأن حكومتها وعدت بتلبية مطالب الكُرد القوميَّة, فقد وافقوا ليس على وضع فكرة استقلال كردستان طيَّ
النِّسيان وحسب, , بل وحذف اسم الكُرد في الاتفاقيَّة الموقعة في لوزان بتاريخ /23/ تموز عام 1923م, لا بل وحذف
اسم الكُرد من الوثائق
الرِّسميَّة بينما تمَّ اعتقال حسن خيري([14])
بعد ثورة الشِّيخ سعيد, وفي أثناء التحقيق معه توجَّه إليه رئيس محكمة الاستقلال
علي صائب وهو أيضاً كُردي قائلاً: كنتم تأتون إلى اجتماع المجلس في أنقرة بالزَّيّ
الكرديّ, وبذلك نشرتم الدَّعوة الكرديَّة, وفي دفاعه أعلن حسن خيري, أنَّه كان
يحضر اجتماع مجلس الأمَّة التُّركي الكبير بالزَّي القومي بأمرٍ من مصطفى كمال,
وأُرْسِل برقيَّات إلى مؤتمر لوزان بأنَّ الكُرد لا يريدون الانفصال عن تركيا. هذا الدِّفاع لم ينقذ عنقه من حبل
المشنقة ولم يؤثِّر في أعضاء المحكمة الَّذين اتَّخذوا قراراً بإعدام حسن خيري
النَّائب السَّابق في مجلس الأمَّة التُّركي الكبير, وابن أخيه جلال محمد, لأنَّهما
فقط في حقيقة الأمر ولدا كرديَّين, وبعد فوات الأوان وصدور حكم الإعدام أدرك حسن
خيري ومن دون جدوى حقيقة سياسة الكماليِّين المعادية للأكراد.
وبهذا فإنَّ بريطانيا الَّتي ساهمت مع
غيرها من الدُّول في عقد معاهدة سيفر, وأخفقت كما بيَّنا من توحيد صفوف الكرد
وجعلهم قوَّة قادرة على حماية مصالحهم كأمَّة ومصالحها في المنطقة, لم يعد من
مصلحتها تنفيذ مضمون المادَّتين 63,62 لأنَّ تنفيذ مضمون المادَّتين وإقامة
الدَّولة الكُرديَّة كانت تعني خسارتها لمنطقة نفوذها, ولاية موصل النَّفطيَّة
ودون أنْ تصل إلى قناعةٍ من قدرة الكرد المشتَّتين حماية مصالحها في المنطقة,
لأنَّه كان من الطبيعي أنْ يطالب الكرد في تلك الولاية, ولاية الموصل أو القسم
الأكبر منهم الانضمام إلى الدَّولة الكرديَّة ودون أن تكون من حقِّ بريطانيا
الاعتراض على ذلك بموجب نصَّ المادَّة /64/. وهذا ما يستشفُّ من إعلان هيوبرت يونغ([15])
من مسؤولي وزارة الخارجيَّة البريطانيَّة, حينما قال: على البريطانييِّن أنْ
يوضِّحوا أنَّ نيَّتهم هي إقامة دولة مستقلِّة في جنوبي كردستان, وأنَّ هذه
الدَّولة يمكنها أن تختار لاحقاً الانضمام إلى دولة شمالي كردستان فيما إذا نجحت
هذه الأخيرة من تحقيق ذاتها. علماً أنَّ سكَّان ولاية الموصل بحدِّ ذاتهم لم
يكونوا متوافقين حول تقرير مصيرهم, فالسُّليمانيَّة كانت تطالب التَّحالف مع
بريطانيا, وكركوك كانت ترفض الانضمام إلى السُّليمانيَّة, وأربيل ترفض التَّحالف
والتَّعاون مع كركوك.
لهذا ونتيجة تلك الصِّراعات والتَّشتُّت في صفوف
الحركة الكرديَّة, ساهمت فرنسا مع بريطانيا في عمليَّة تعطيل تنفيذ مضمون
المادَّتين/63,62/ نتيجة التقاء مصلحتها مع مصلحة الدَّولة البريطانيَّة حول مسألة
ولاية الموصل, ولأجل هذا ساهمت فرنسا وبريطانيا عمليَّاً في عمليَّة عدم تنفيذ
معاهدة سيفر, لكن وبصورةٍ غير مباشرة وفعليَّة كان الكرد هم السَّبب في أنْ تبقى
مواد معاهدة سيفر حبراً على الورق.
النتيجة: لقد مضى على معاهدة سيفر أكثر من مئة عام, ولا جدوى من معرفة ملابسات
عمليَّة عدم تنفيذها نظريَّاً, لكنَّ الغاية من هذه الدراسة من النَّاحية
العمليَّة هو: ألا يمكن للتَّاريخ أنْ يعيد نفسه وإنْ كان بمسمَّى آخر؟
بالتَّأكيد يمكن للتَّاريخ أنْ يعيد
نفسه, ولو بصيغ مختلفة وبإحداثيِّات, وشخصيِّات مختلفة, وظروف مختلفة, وربَّما
نتائج مختلفة حسب نوعيَّة الفعل والتَّفاعل ودرجة الوعي, ونوعيَّة السِّياسة
والدُّبلوماسيَّة, وربَّما ما نشاهده منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزَّمن في العراق
وعقدٍ ونصف في سوريا, ابتداءً من حرب الخليج الثَّانية – حرب تحرير الكويت- في 16
كانون الثَّاني 1991م ولغاية اليوم هو
عودة جديدة للتَّاريخ في صيغة ملابسات وظروف مشابهة في بعض الجوانب لما كان قد حدث
قبل مئة عامٍ من الآن, والسُّؤال: هل سيقع الكرد في أخطاء الماضي, وتكون النَّتائج
مشابهة لنتائج ما قبل مئة عام؟ أم أنَّهم قد استفادوا وأخذوا العبرة من تجارب
الماضي؟
الظَّاهر من
خلال استمرار عقليَّة الخلافات الكرديَّة, والسِّيكولوجيَّة الكرديَّة ذات الجذور
الممتدَّة عبر التَّاريخ في التَّنافر والتَّشتُّت, ربَّما وبكلِّ أسف سيخسر الكرد
مرَّةً أخرى, ففي العراق, ونتيجة حرب الخليج الثَّانية, بل
وكإحدى ثمرات نضال البارزاني الخالد الفريد من نوعها في النِّضال التَّحرُّري
الممتد لأكثر من نصف قرن, والسِّياسة التُّركيَّة المعتدلة في عهد توركوت أوزال,
تحقَّق النِّظام الفدرالي دستوريَّاً في العراق, وحاز الكرد بموجبها على إقليم
فدرالي, وبرلمان كردي بعد انتخابات 19/5/1992
لكنْ سرعان ما بدأت الخلافات الكرديَّة الكرديَّة تطفو على السَّطح على
مبدأ حليمة الكرديَّة رجعت لعادتها القديمة وتشكَّل نتيجة تلك الخلافات إدارتين في
الإقليم الفدرالي, إدارة السُّليمانيَّة, وإدارة هولير, هذه الخلافات التي تطوَّرت
في نهاية آذار 1994 إلى نشوب الاقْتتال الأخوي بين الاتِّحاد الوطني الكردستاني,
والدِّيمقراطي الكردستاني, والتي استمرَّت لأكثر من أربع سنوات ولم تتوقَّف إلَّا
بعد تدخُّل الإدارة الأمريكيَّة عبر وزيرة خارجيَّتها السيَّدة مادلين أولبرايت
التي استطاعت في 17أيلول 1998من جمع زعيمي الحزبين الكرديَّين السيِّد مسعود بارزاني
والسيِّد جلال الطالباني وعقد مصالحة وإنهاء الاقْتتال بينهما, لكنْ رغم أنَّ تلك
المصالحة قد أنهت الاقْتتال الدَّاخلي بينهما, إلَّا أنَّها ظلَّت شكليَّة
وبقي إقليم كردستان بإدارتين, إدارة
السُّليمانيَّة وإدارة هولير, وبقي لكلِّ إدارةٍ قوَّتها العسكريَّة من البيشمركة,
رغم وجود وزارة واحدة وبموافقة الطَّرفين باسم وزارة شؤون البيشمركة, فإنَّ قوَّات
البيشمركة التَّابعة للحزبين لم تتوحَّد رغم مرور مدَّةٍ تزيد عن ثلاثين سنة, ورغم
الجهود الأمريكيِّة المستمرَّة والتي وصلت إلى التَّهديد في الآونة الأخيرة برفع
الحماية عن الإقليم الفدرالي في مواجهة المخاطر التي تهدِّد وجود الإقليم الفدرالي.
ربَّما يقلِّل أحدهم من أهمية مدَّة الثلاثين سنة من عمر الإقليم الفدرالي
ويعتبرها مدَّة قصيرة لإمكانيَّة التَّأسيس لشيءٍ أكبر, فأقول: إنَّ دولة إسرائيل تمَّ الإعلان عن تأسيسها عام
1948م لكنَّها استطاعت بعد مرور /19/ سنة أي عام 1967 هزيمة جيوش أربع دول
عربيَّة, مصر والأردن وسوريا ولبنان بل واحتلال أجزاء كبيرة من أراضي هذه الدِّول.
هذا في كردستان الجنوبيَّة (العراق) أمَّا في
سوريا, كردستان سوريا, أو كما سمَّاها البعض بروج آفا, أو شمال شرق سوريا, فقد
مرَّ أكثر من خمس عشرة سنة على الحالة السُّوريَّة والأزمة السوريَّة, ووضع الحركة
السياسيَّة الكرديَّة من سيِّءٍ إلى أسوأ وبما يوحي أنّهم لم يأحذوا العبرة من
تجارب الماضي فعلى مستوى الخلافات الكرديَّة, كان عدد الأحزاب الكرديَّة منذ
تأسيسها عام 1957 وإلى بداية الأزمة السُّوريَّة عام 2011 لم تتجاوز الاثني عشرَ
حزباً كرديَّاً فقط, وكان النِّظام السُّوري متَّهماً فيما قبل عام 2011 بأنَّ له
اليد الطولى في انشقاق الأحزاب الكرديَّة, إلَّا أنَّه وبعد عام 2011 تطوَّرت
الأمور فوصل عدد الأحزاب الكرديَّة بعد مرور خمس عشرة سنة إلى ما يربو الستِّين أو السَّبعين حزباً دون
أن يكون للنِّظام السُّوري وأجهزتها الأمنيَّة أيُّ تأثير أمنيَّا وسياسيَّاً على
السَّاحة الكرديَّة, وبمعنى آخر, إنَّ الحركة السِّياسيَّة الكرديَّة في سوريا لم
تولي الأهميَّة اللَّازمة وكما يجب للمرحلة التي تمرُّ بها سوريا كفرصةٍ ذهبيَّة
لانتزاع الحقوق الكرديَّة, بقدر ما اهتمَّ قادة هذه الحركة بمصالحها ومكاسبها
الشَّخصيَّة, ممَّا كان من شأنه أنْ انشطر كلُّ حزبٍ من هذه الأحزاب إلى عدَّة
أحزاب لا يتجاوز عدد الأعضاء المنتمين إلى البعض منها عدد ركَّابَ حافلةٍ صغيرةٍ
أو انحصار قيادة وأعضاء البعض منها من ضمن أفراد عائلةٍ واحدة, إلى أن وصل العدد
إلى ما هو عليه الآن دون إعطاء أيَّة أهميَّة لهذا المنعطف التَّاريخي التي تمرُّ
بها سوريا وبالتَّالي فالقضيَّة الكرديَّة في حالةٍ مشابهة لما حدث في عهد
اتِّفاقيَّة سيفر وربَّما إلى حالةٍ أسوء.
الخلافات الكرديَّة في بداية الأزمة السُّوريَّة كانت بسيطة, ثمَّ تطوَّرت
الخلافات ولم يتمكَّن الكرد السُّوريِّين من تشكيل إطارٍ كرديٍّ موحَّد لتمثيل
نوعيَّة وشكل الحقوق الكرديَّة المطلوبة دستوريَّاً في سوريا نتيجة تدخُّلات
خفيَّة من قوى إقليميَّة وغياب الشُّعور بالمسؤوليَّة التَّاريخيَّة لقوى
كردستانيَّة رغم عقد عدة اتفاقيات /هولير1 وهولير2 ودهوك/ التي باءت جميعها بالفشل
وتطوَّرت تلك الخلافات وتعمَّقت أكثر,
إلى درجة أنَّ الإدارة المشكَّلة من قبل تف دم أو حزب الاتِّحاد الدِّيمقراطي بأن زجَّت
بالعديد من قيادات المجلس الوطني الكردي في سجونها, ومنعت عنهم ممارسة العمل
السِّياسي بإغلاق مكاتبهم الحزبيَّة, وإحراق العديد من تلك المكاتب ممَّا دفع
بالمجلس الوطني الكردي ومن خلال بعض قياداته, إلى المزيد من التَّقارب مع المعارضة
السُّوريَّة وخاصَّة منهم المتشدِّدين تجاه القضية الكردية ومن خلالهم مع دوائر
الدَّولة التركيَّة الرَّافضة لأيَّة حقوق كرديَّة, وفي المقابل ومع مرور الزَّمن
ازداد نفوذ بعض المتشدِّدين من عناصر الحزب العمَّال الكردستاني في كردستان سوريا
وفي الإدارة الذَّاتيَّة المشكَّلة, الَّتي اتَّخذتها تركيا ذريعةً لمهاجمتها
واحتلالها عسكريَّاً لمنطقة عفرين سنة /2018/ ومن ثمَّ منطقة سري كانيي وكري سبي
سنة /2019/.
تعمَّقت تلك الخلافات الَّتي اتَّخذت طابعاً إيديولوجيَّاً
أحاديَّ الجانب, وعداءً فكريَّاً طاغياً على فكرة الانتماء إلى قوميَّة واحدة,
وأصبح كلٌّ من الطَّرفين على النَّقيض من الطرف تماماً, وأعادت للأذهان تلك
الخلافات العشائريَّة والقبليَّة الكرديَّة أثناء فترة ما بين الحربين
العالميَّتين وفترة عقد معاهدة سيفر.
الأزمة
السُّوريَّة وتشعُّباتها, وتلاعب القوى الإقليميَّة والدَّوليَّة بالقوى الفاعلة
على الأرض السُّوريَّة, وانخراط الفصائل العسكريَّة لقوى المعارضة السُّوريَّة ذوو
النَّهج الإسلامي المتطرِّف, واتخاذ معظمها رغم اختلاف مسمَّياتها, نهج منظَّمة
القاعدة والدَّولة الإسلاميَّة في العراق وسورية – داعش- في صراعات لا صلة لها بحل
الأزمة السُّوريَّة, وانخراط القوَّة الكرديَّة, y p k,
و y p j في محاربة التَّطرُّف الإسلامي- داعش- دفعت بقوى التَّحالف الدُّولي
وبدعمٍ وتأييد قوى كردستانيَّة -كردستان العراق- إلى إقامة علاقة مباشرة, ودعمٍ
مباشر للقوَّة الكرديَّة والَّتي تطوَّرت واتَّخذت اسم قوَّات سوريا
الدِّيمقراطيَّة.
هذه التَّطوَّرات دفع بالتَّحالف الدُّولي, وأمريكا
على وجه الخصوص وارتباطاً بمصالحها في المنطقة, وسعياً منها لوضع اللبنات الأولى
للمصالح المشتركة مع الحركة السَّياسيَّة الكرديَّة, مثلها مثل بريطانيا أثناء
فترة ما بعد الحرب العالميَّة الأولى, بالعمل الجاد والفعَّال مع الحركة
السِّياسيَّة الكرديَّة السُّوريَّة وعلى محورين.
المحور الأوَّل: وتمثَّل بالدَّعم اللوجستي
العسكري لقوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة مع التَّأكيد وباستمرار وجوب إظهار هذه
القوَّات كقوَّات كرديَّة سوريَّة, وإبعاد كل ما له صلة بحزب العمَّال الكردستاني
ورموزها عن هذه القوَّات, وعن الإدارة الذَّاتية المعلنة في المناطق الكرديَّة,
تجنُّباً لمواجهةٍ محتملة مع الدَّولة التُّركيَّة حليفة أمريكا في حلف النَّاتو.
المحور الثَّاني: وتمثَّل في التَّدخُّل والإشراف
المباشر لحلِّ الخلافات الكرديَّة.
الجهد
الأمريكي والدُّولي وفي المحورين لم تفضيا إلى نتائج إيجابيَّة مرضية لا
أمريكيَّاً ولا على المستوى الشّعبي الكردي, ففي المحور الأوَّل ظلَّت تلك الإدارة
(الإدارة الذَّاتيَّة) وتلك القوَّات (قوات قسد) كقوَّات لحزب العمَّال الكردستاني
وبكافَّة رموزه وكوادره دون أيَّ تغيير وفي تحدّي واضح لتركيا وللإرادة
الأمريكيَّة, وفي المحور الثًّاني ورغم الِّلقاءات الحواريَّة الماراتونيَّة
العديدة, الَّتي استمرَّت لأكثر من عامٍ ونصف لم تثمر إلى نتيجةٍ إيجابيَّة قبل
توقُّفها وعودة الطَّرفين إلى طرفي نقيض, سوى إلى إصدار بيان سياسي مشترك وبحضور
الممثِّل الأمريكي جيمس جيفري.
العقليَّة الكرديَّة, وطبيعة السِّيكولوجيا
الكرديَّة لم تستطع التَّلاؤم مع ظروف السّياسة الدّوليَّة, والاتِّفاق على مبدأ
عام ليكونوا فاعلين كطرفٍ ممثَّل فيما يحضَّر لمستقبل سوريا, وهذا ما يذكَّرنا إلى حدٍّ كبير بتلك الحالة والظروف الَّتي كتبت
فيها مواد معاهدة سيفر.
1- (1) جوناثان
راندل, أمَّةٌ في شِقاق, دروب كردستان كما سلكتها, ترجمة فادي حمود, دار النَّهار
للنَّشر, بيروت 1997, ص 159
([2]) - ماريانا خاروداكي, الكرد والسِّياسة الخارجيَّة
الأميركيَّة, ترجمة خليل الجيوسي, الناشران, دار الفارابي, بيروت لبنان, ودار آراس
للطِّباعة والنَّشر, أربيل, إقليم كردستان العراق, ص 22
([3]) - الكرد وكردستان في الوثائق البريطانيَّة, دراسة تاريخيَّة
وثائقيَّة, الدَّكتور وليد حمدي, رقم الإيداع 2969 لسنة 1992, مطابع سجلَّ العرب,
ص 321
([4])- جليلي جليل, م.أ. حسرتيان, شاكر محويان, م.س. لازاريف أولغاجيغالينا,
الحركة الكرديَّة في العصر الحديث, ترجمة, د. عبدي حاجي, النَّاشران, دار
الفارابي- بيروت- لبنان, دار آراس للطِّباعة والنَّشر, شارع جولان – أربيل – إقليم
كردستان العراق, الطَّبعة الأولى 1981م, الطَّبعة الثَّانية 2013, ص 194
([6])- روبرت أولسون, تاريخ الكفاح القومي الكردي 1880- 1925, ترجمة أحمد
محمود الخليل, الناشران: دار الفارابي –بيروت – لبنان, آراس للطباعة والنَّشر,
شارع الجولان- أربيل- اقليم كردستان العراق, ص 124
([7])- مصطفى شفيق ايدلبي, الدِّبلوماسيَّة
الكرديَّة, مراحل تطوُّرها, ومشاكلها, الجلد الأوَّل, من التَّاريخ القديم حتَّى
معاهدة لوزان, مطبعة هيفي, أربيل, ص 442
([8]) - شبكة الجزيرة نت للبحوث والدِّراسات,
الكرد, دروب التَّاريخ الوعرة, تحرير: د. لقاء مكِّي, يوليو/ حزيران 2006, ص 37

ليست هناك تعليقات: