تاريخ الملان الباشوات - محمد صالح إبراهيم - اتحاد كتاب كوردستان

728x90 AdSpace

شائع
الاثنين، 10 أغسطس 2026

تاريخ الملان الباشوات - محمد صالح إبراهيم

تاريخ الملان الباشوات 

محمد صالح ابراهيم




سأسرد للسادة القرّاء تاريخ وحكم ملان الباشوات في ويران شهر

تنقسم العشيرة الكردية الكبيرة (الملان) وحسب ألقابهم إلى ثلاثة أقسام وهي:

الملان الباشوات في ويران شهر، الملان الأمراء في ماردين، الملان الأغوات في الريف الجنوبي لمدينة عامودا, وهذا القسم الأخير تتزعمهم عائلة خضر آغا وهم أصحاب قرى ومزارع وتتمتع بشهرة كبيرة.

ولكن دراستنا تتركز عن الملان الباشوات المشهورة ب( زنكو زيرين)

حيث أشتهر هذه العائلة عائلة ( زنكو زيرين) ومنذ القدم ببعض الباشوات الذين ذاعت  شهرتهم على صفحات التاريخ وهم مبعث فخر واعتزاز للشعب الكردي الذي يرفع رأسه عالياً بسيرتهم العطرة وتاريخهم  المُشرّف ومن هؤلاء:

1- كله شبدي: لكن مع الأسف الشديد لم يتمكّن المؤرخون  معرفة المزيد عن أخباره, الأخبار القليلة التي وصلت إلينا عن طريق الرواة الذين تحدثوا عن تاريخ حياته وجل ما يعرف عنه فقد كان قاطعاً للطريق وقاتلاً و سفاكاً للدماء, لهذا ذاع صيته وتمكّن من زعامة الملان بسبب شجاعته, فانضوت عشيرة الملان تحت رايته.

والسبب الآخر المدعاة للأسف عدم معرفة تاريخ ولادته وتاريخ وفاته والفترة التي حكم فيها هذه العشيرة العريقة.

2- بشار باشا:

وهذا أيضاً لا يعرف تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته ولا تاريخ حكمه لهذه العشيرة والشيء المعروف عنه هو إن آغا عشيرة الشكاك المدعو(عبدالله عيسو) التجأ إليه فارّاً من الدولة العثمانية, وعلى الرغم من مطالبة الدولة العثمانية بتسليمه لآغا الشكاكا إلا أنه كان يرفض الطلب مما اضطرت الدولة العثمانية إلى استدعائه إلى مدينة الرها حيث أعدموه, وقبل إعدامه سألوه عن أمنيته  الأخيرة وآخر مطلب له.

كان طلبه أن يسمحوا له بالغناء قليلاً, عندها ضحك الجلادون من مطلبه وقالوا:

إن باشا الملان قد فقد عقله خوفاً من الموت, فسمحوا له بالغناء.

وضع الباشا يده فوق أذنيه, وبدأ يغني موجهاً كلامه لفارس كردي مسلح بالسيف  والترس كان ماثلاً أمامه في المجلس:

لولو ...

لولو سوارو هاكه بمن هاكه.

تي هري كوني عبد الايي عيسو آغاي شكاكا

bêje: Mîr û Mîr bû ko soza xwe bire serî heta xwîna Bişar paşa herikî li şikaka.

أي بما معناه:

 أيها الفارس لتذهب إلى  خيمة عبدالله عيسو آغا شكاكا وقل: إنه كان شجاعاً ووفياً بوعده حتى أريق دم الباشا عل أرض الشكاكا.

فهم الشاب المللي كلام الباشا فركب جواده وخرج من المدينة قاصداً خيمة عبد الله عيسو.

وحال وصوله وجلوسه في المجلس سأله الآغا: أخبرني يابني بما جرى للباشا بشار.فأخبره الشاب بالقصة وردد على مسامعه أغنية الباشا في المجلس.

عندها قال آغا الشكاك عبد الله عيسو:

يا بني: قد أبلغت وأوضحت كل شيء فقم واذهب يرعاك الله.

فأسرع الآغا وأبلغ حاشيته وأعوانه, وأخبرهم بما حدث ثمّ أمرهم قائلاً:

 قوموا قومة رجل واحد وجهّزوا خيمكم للرحيل ليلاً, ولنبتعد عن عشيرة الملان فوالله لو علموا بمقتل الباشا لأبادونا عن بكرة أبينا, و في عتمة الليل بدأوا يرحلون عن ديار الملان هائمين على وجوههم.

وعند تباشير الصباح كان الملان يتعقبونهم

ويقتلون عدداً كبيراً منهم, ومنذ ذلك اليوم رحل الشكاك عن تلك الديار, ولم يعودوا إلى أرض الجزيرة مرّة أخرى.

3- تمر باشا الزنكو زيرين:

في الوقت الذي ضمّت الدولة العثمانية بلاد ما بين النهرين(ميزوبوتاميا) إلى ولاية بغداد كان السكان فيها ينتمون إلى ثلاثة أعراق وهم: الكرد، والعرب، والتركمان, وكان الكرد يشكلون أكثرية السكان ويسيطرون على المنطقة لأن العشائر الكردية الكبيرة كانت تفرض سيطرتها على جبال طورعابدين( قرج داغ) وسفوحها الواسعة, وكانت هذه العشائر تتمتع بشهرة حربية واسعة, وكانت عشيرة الملان أشهر وأكبر تلك العشائر.

كانت عشيرة الملان تعيش في سهول ماردين على تماس مباشر مع العشائر العربية كشمر وهي أكبرها ثمّ طي وعنزة بالإضافة إلى عشائر تركمانية وكانت هذه العشائر ترعى أغنامها في فصل الربيع على سفوح وسهول الجزيرة السورية في جنوبها وشمالها.

 وعلى الرغم من أن العشائر الكردية كانت غير متحدة فيما بينها إلا أنها كانت تتحد عند تعرضها للخطر الخارجي, وكثيراً ما كانت تحارب بعضها البعض, و أحياناً كانت تنحاز بعض العشائر الكردية إلى بعض العشائر العربية, وكان الأمر نفسه لدى العشائر العربية, فلم تكن متحدة مع بعضها البعض, وكان بعضها تنحاز إلى بعض العشائر الكردية ضد بعض الأحزاب العربية.

حلف الأعمام

حلف الأعمام: هو الحلف الذي اشتركت فيه العشائر العربية والكردية ضد عشيرتي الشمر والعنزة لانهما كانتا تسفكان الدماء بدون رحمة, وكانتا في حالة عداء مستمرة ضد العشائر الكردية والعربية أيضاً.

وكانتا تمتهنان الغزو والسلب والنهب لأنهما كانتا دخيلتان وليستا من عشائر الجزيرة السورية.

فكانت عشائر الجزيرة من عرب وكرد تخاف من بطشهما,  ولم تستطع أية عشيرة أن تواجههما بمفردها.

من العشائر الكردية التي دخلت في هذا الحلف عشيرة الملان بفرعيها: ملان الباشوات وملان الخضر آغا ثم عشيرة الكيكية والخلجان والدقورية,  ومن العشائر العربية التي دخلت في هذا الحلف.

الطي والجبور والبكارة وبعض العشائر العربية الأقل شأناً.

كانت عشيرة الشمر تدخل إلى الجزيرة السورية من العراق بينما عشيرة عنزة كانت تدخل من  مناطق الشامية غرب الفرات.

 

وعلى الرغم من تعاون العشائر العربية والكردية المنضوية تحت لواء حلف الأعمام ضد العشيرتين الدخيلتين,  استطاعت عشيرة الشمر من بسط سيطرتها على العشائر العربية والكردية وأخذ الخوة منهم بالقوة والإكراه.

الخوة: الخوة هي ما تقدم من أموال و أغنام و منتوجات  زراعية  للشمر من قبل العشائر العربية والكردية المناوئة للشمر لدرء شرهم.

في البداية كانت تدفع لهم باسم (الخوة ), ولكن فيما بعد أصبحوا يأخذونها بالقوة والإكراه من العرب والكرد كضريبة.

لذا بدأ العرب والكرد في الجزيرة يجمعون قواهم ويتحدون في حلف الأعمام ضد الشمر والعنزة,  فكانوا يتمردون عن دفع ما سُمّي بالضريبة المفروضة عليهم,  ففي كثير من المرات يهاجمونهم و يقتلون رجالهم و يسلبونهم الأموال والغنائم إلا أنّ الخو ف كان يلازم قلوب العشائر العربية والكردية  لشدّة جبروت شمّر.

كان في ذلك الحين  زور تمر باشا أو (زنكو زيرين) تحت الإقامة الجبرية في استنبول. وكانت العشائر العربية والكردية دائمة الشكوى والتململ من ظلم الشمر والعنزة ولكن لم يكن هناك من يقف إلى جانبهم.

إلى أن تمكن باشا الملان  من الهرب من سجنه والوصول إلى عشيرته ليستجيب لصرخات المظلومين من العشائر الكردية والعربية.

فبدأ  فوراً يوطّد حكمه ويجهّز نفسه لمواجهات حاسمة سرعان ما التف حوله العشائر الكردية والعربية, فاستطاع أن يعد منهم جيشاً كبيراً ويثير القلاقل ويقوم بغزوات, ويقوم بالسلب والنهب,  فدبّت الفوضى في الجزيرة بأسرها وامتد  نفوذه إلى مناطق ديار بكر والرها وحلب والموصل,  وأغرق هذه المناطق بالقلاقل نتيجة السلب والنهب والخراب والتدمير, فاستبد القلق والخوف بولاة بغداد وديار بكر وحلب وساورتهم الوساوس والشكوك ونزلوا لمحاربة زور تمر باشا إلا أنهم عجزوا عن القضاء عليه  إلى أن وصل بهم الأمر إلى إعداد جيش كبير سلمت قيادته إلى كل من سليمان باشا والي بغداد وأوزن إبراهيم باشا والي رشوان و زادة عمر باشا والي ملاطيا.

كان الثلاثة على رأس هذا الجيش الكبير الذي زج به لمحاربة زور تمر باشا, إزاء هذا الجيش العرمرم لم يعد بإمكان هذا المغوار التصدي لهذا الجيش الجرار.

لذلك تخلى عن عاصمته (قلعة بوك ) لأعدائه وتوجّه نحو حلب فصبّ سليمان باشا جام غضبه على العشائر الكردية وأذاق عشيرة الملان- بشكل خاص- الأذى والويلات وألحق بها دماراً كبيراً وأزاح حاكم ماردين من منصبه , وقتل عدداً كبيراً من زعماء الملان ووجهائهم منهم سعدون بك أحد أشقاء تمر باشا, وابن عمه محمود بك, ثم عين سليمان باشا شقيق تمر باشا المدعو إبراهيم بك زعيماً على الملان وعاد إلى بغداد.

كان الأتراك يريدون تشتيت شمل الكرد. ماردين التي كانت تتبع إدارياً لولاية ديار بكر, عملوا إلى ضمّها إلى بغداد التي كانت تبعد عن ماردين مسافة ما يقارب أكثر من ألف كيلو متر في وقت امتلأت ماردين بالمرتشين والطامعين والأشقياء واللصوص الذين ساهموا في خلق بيئة من الفوضى والاضطراب, فكانت بلاداً مستباحاً وأصبحت مدينة بدون حماية. إمارة غارقة بالجهل والأمية والتخلف يسودها القتل والسلب والنهب,  ولم يعد أحد يأبه بأوامر المسؤولين وقراراتهم.

عاد سليمان باشا إلى بغداد دون أن يقبض على تيمور( تمر باشا) وبقي طليقاً مدة ثلاث سنوات ينتقل من مكان إلى آخر,  وفي عام1209هجري- 1794ميلادي ذهب فجأة إلى بغداد طالباً الصفح من سليمان باشا حيث استجاب له وعفا عنه  وعن أعماله السابقة,  وعينه والياً على مدينة الرقة عام 1215هجري-1800ميلادي لكنه عجز عن هذا الحمل لكثرة أعدائه الذين وضعوا العراقيل والصعوبات أمامه ليصعب عليه القيام بالأعمال الموكلة إليه خير قيام.

فتمّ نقله إلى سيواس وأصبح والياً عليها كان في عام 1218هجري-1803ميلادي.

إبراهيم باشا الملي:

عند مهاجمة  والي بغداد سليمان باشا وبالتعاون مع الجيش التركي والتي كانت متمركزة في النواحي القريبة  من ماردين بلاد الملان أغرقت البلاد في دوامة من الفوضى والسلب والنهب حيث قتل عدد كبير من السكان بلا حدود وقيود في حينه تمّ تعيين إبراهيم بك شقيق تيمور باشا زعيماً على بلاد الملان, فتمكن هذا الزعيم من إدارة بلاد الملان من عشائر كردية وعربية بجدارة وأفلح في جمع شمل هذه العشائر و أحل الوئام  بينها والسير بها نحو التقدم والرقي, وأنشأ علاقات ودية مع الدولة العثمانية وتمكن من حماية حدود إمارته من الأعداء المتربصين بها إلى أن وافته المنية.

أيوب بك بن إبراهيم بك:

حكم أيوب بك إمارته بجدارة واقتدار مدة طويلة من الزمن واشتهر بجوده وكرمه وكانت الدولة العثمانية تخشى التدخل في شؤون إدارته التي كان يحكمها حكماً مستقلاً في ويران شهر.

لكن فيما بعد تمكن الجيش العثماني وبشكل مفاجئ الهجوم على ويران شهر حيث حدثت معارك دموية حامية بينهم إلى أن وقع أيوب بك أسيراً بيد العثمانيين ولم يخرج من السجن إلا محمولاً على النعش.

تيمور بك:

تيمور بك هو حفيد تيمور باشا الذي مر معنا ذكره سابقاً. في الفترة التي كانت المعارك بين إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر حامية حيث كان إبراهيم باشا يتقدم بالجيش المصري نحو ديار بكر وكردستان محققاً الانتصارات على الجيش العثماني المدحور في هذا الوقت استولى تيمور بك على الجزيرة وسهول ماردين.

لكن مع الأسف الشديد قتل هذا الكردي المغوار في إحدى معاركه مع الجيش العثماني في الوقت الذي  كان الجيش المصري  ينسحب راجعاً إلى مصر, فعادت الدولة العثمانية تفرض سيطرتها على هذه المناطق من جديد.

فعادت الفوضى والقلاقل والنهب والسلب إلى بلاد الملان من جديد من قبل بعض العشائر العربية كطي وشمر.

محمود بك بن تيمور بك:

في الفترة التي استولت بعض العشائر العربية على بلاد الملان وأحدثوا فيها الدمار من سلب ونهب وظلم الناس,  قام هذا المغوار بتكوين جيش من حلفائه والمقربين منه ومجموعات من فرسان العشائر المجاورة له من العرب والكرد,  واستطاع أن يكسب ود دمشق ومساعدته له حيث أعلن الحرب على العشائر التي سيطرت على بلاد الملان,  وأعاثوا فيها الفساد فاستطاع استعادة المناطق الكردية من أيدي الشمر والعنزة وجعل مدينة ويران شهر عاصمة له وبنى فيها قلعة حصينة.

لكن لم يلبث أن داهمه عمر باشا والي ديار بكر فألقى القبض عليه وأودعه السجن في قلعة ديار بكر.

 

إبراهيم بك بن محمود بك بن تيمور بك:

تولى محمود بك الحكم في ويران شهر بعد سجن والده, واستطاع أن يحمي إمارته من  الأعداء والطامعين,  وسعى لإطلاق سراح والده حيث ذهب إلى مصر ليتوسط  له الخديوي في ذلك الوقت لكنه لم يفلح في مسعاه في حينه, فعاد إلى استنبول وحصل على مرسوم من السلطان عبد العزيز بمساعدة من الخديوي إسماعيل يقضي بإطلاق سراح والده المسجون في سجون ديار بكر.

ولكن لم  يدم العمر بمحمود بك طويلاً بعد إطلاق سراحه  حيث توفي ورحل إلى جوار ربه.

وحال وفاة محمود بك بدأ ابنه إبراهيم يتدخل في شؤون العشائر الأخرى وأدى تصرفه هذا إلى خلق البلبلة والفوضى في البلاد  إلا أن السلطان عبد الحميد  الثاني أنعم عليه بلقب باشا فأصبح يعرف بإبراهيم باشا الملي,  ووضع جميع بلاده تحت حكمه وسلطته لذلك خضعت جميع العشائر الكردية والعربية لحكمه وسلطته فذاع صيته في داخل البلاد وخارجها, وتمكن من السيطرة على الطريق الذي يربط بين المدن الثلاث: حلب، الموصل وماردين بحيث لم يكن أحد يملك الجرأة على المرور بهذه الطرق دون دفع ضريبة المرور.

وعندما  استفحل أمره مع مرور الزمن  وتمادى,  اضطرت الدولة العثمانية إلى إرسال حملة عسكرية كبيرة لاعتقاله وإرساله إلى سيواس ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

بعد فترة طويلة من اعتقاله تمكن من الهرب والعودة إلى بلاده والوصول الى عاصمته ويران شهر بصعوبة بالغة.

ولم يمض وقت طويل على هروبه حتى بدأ السلطان عبد الحميد بإنشاء إيالات فرسان الحميدية نسبة إلى اسمه, فانضم إليها إبراهيم باشا وأصبح يُدعى أمير الأمراء,  وقد أنشأ السلطان هذه الإيالات لقمع خصومه ولقمع شعوب الدولة العثمانية المناوئة له ولهذا دعي بالسلطان الأحمر.

كان معظم العناصر المنتمية إلى هذه الإيالات من الكرد إن لم نقل كلها لأنه كان يعتبر الكرد متخلفين جهلة  سينتمون إلى هذه الإيالات بسهولة ليضحوا بأرواحهم في سبيل سلطان رجعي ومهزوز وبهذا الانضمام استطاع إبراهيم باشا أن يمد نفوذه إلى كل مكان يطمح في الوصول إليه.

انضمت إليه جميع عشائر المنطقة الكردية والعربية أيضاً, وعبر هذه الإيالات بدأ يحقق مجده بخطوات  سريعة.

في عام1322هجري-1904 ميلادي حقق الباشا إبراهيم نصراً باهراً على عشيرة ( قركيج) وفرض سيطرته عليها بالقوة والإكراه. يقال بأن المدعو( دريعي باشا ) زعيم عشيرة القركيج المغلوبة على أمرها ذهب إلى استنبول ليقدّم شكوى ضد إبراهيم باشا لرؤوسائه وفي لقائه مع السلطان وقبل أن يتكلم بادره السلطان قائلاً: اخبرني كيف حال ولدي إبراهيم؟

 

ذُهل دريعي باشا من سؤاله ومن خوفه بدأ يلهج بمدح إبراهيم باشا, ويكيل له المدح والثناء ويعدد مناقبه وخصاله الحميدة, وعندما عاد إلى بلاده قام بزيارة الباشا وقال له: لا يسعني إلّا أن أقول- وانا مضطر أن أقول هذا القول- إنني منذ الآن تابعك الأمين وأقل منك مقاماً, ومن هذا الذي يمتلك الجرأة على مقاومة ابن السلطان عبد الحميد أيها الباشا؟.

حرب إبراهيم باشا مع الشمر (ما يسمى بصولة عبد الكريم):

في هذه الحرب والتي دارت رحاها بين عشيرة الشمر والملان  كان الشمر هم الذين بدأوا بها بشدة وعنف.

يقال بأن كل أربعة من رجال الشمر كانوا يمتطون جملاً  حاملين عدتهم متجهين نحو ويران شهر مع من انضم إليهم من العشائر الكردية المتحالفة معهم وهم يريدون تخريب بلاد الملان وعاصمتهم ويران شهر وأخذ أموالهم كغنائم  لكن تبين فيما بعد أنهم أخطأوا التقدير ولم يحسبوا للملان قوتهم وقدرتهم وصدهم وتفريق شملهم بحكمة واقتدار أي حساب.

والذي ساعد الملان بقيادة إبراهيم باشا والتغلب على الشمر والمتحالفين معهم هو: إن بعض الكرد الذين رافقوا الشمر كانوا يحقدون على الشمر ويضمرون لهم الشر حيث أرسلوا سراً إلى إبراهيم باشا يخبرونه بزحف الشمر نحوه, ويخبرونه بأنهم ليسوا مع الشمر لكنهم أرغموا مكرهين على المجيء معهم ولا يريدون القتال معهم ضده وقد جئنا خوفاً من الشمر وسطوتهم.

وبعد ما علم  إبراهيم باشا بزحف الشمر ونواياهم,  بدأ بحفر الخنادق حول عاصمته  ويران شهر وإنشاء التحصينات الدفاعية وزوّد رجاله بمدافع الموزر.

وصلت جموع الشمر إلى ضواحي العاصمة ويران شهر وبدأوا بنصب خيامهم واستعدوا للمعركة الحاسمة.

لكن الملان بادروا بمفاجأة الشمر وذلك  بالهجوم على خيامهم ليلاً دون سابق إنذار وعندما سمعت الجمال أصوات الطلقات هربت مذعورة, فلاذ جموع الشمر بالفرار  وقتل كثير منهم ولم يتسنَ  لبعضهم الفرار تجمّدوا في خيامهم,  فأصبحوا ما بين أسير و قتيل.

ورغم شجاعة الشمر وبأسهم وعنادهم في القتال إلا أنهم عجزوا عن الصمود أمام بنادق الملان ومدافع الموزر, فتعقبهم رجال الملان حتى تمكنوا من قتل جمع غفير منهم وأسر آخرين وكان من بين الأسرى السيد محمد آغا الدقوري( تاكوري): الكردي الذي أسر في خيمته. وقد عفا عنه الباشا ولم يقتله بل أعاده إلى بلدته محملاً بالهدايا وقال له: أنا أعلم بأنكم لستم أعدائي لكنكم انضممتم إلى الشمر خوفاً من بطشهم وعنجهيتهم.

هكذا  عاد الشمر إلى مرابعهم ومراعيهم ( الشمرانة) مهزومين مدحورين,  و تخلص سكان الجزيرة بعربهم وكردهم من ظلمهم حيث كانوا يذوقون الناس الويلات والفظائع كانوا ينهبون أموالهم  ويقتلونهم بدون وجه حق ويفرضون عليهم الأتاوات (الخوة), ويستبيحون مزارعهم ويسحقونها تحت سنابك خيولهم وأخفاف جمالهم  وأظلاف  مواشيهم, فلا يستطيعون عمل شيء تجاه هذه الأعمال  اللإنسانية.

في الحقيقة كان الشمر يشكلون هاجساً  كبيراً ورعباً دائماً لسكان الجزيرة ووباء مزمناً, ولم يجرؤ أحد ردهم بأي شكل من الأشكال, وكل من كان يتململ أو يتذمّر أمامهم من تلك المظالم كان مصيره القتل  بالمجناة والدبابيس.

بعد هذه المعركة أصبح الملان أقوياء وبمعنويات عالية ولم يعد يحسبون  للشمر وأتباعهم أي حساب.

الحرب الثانية:

في هذه الحرب كان الملان هم البادئون بالحرب,  فقد هاجموا الشمر والعشائر المتحالفة معهم

كطي والجبور وعشيرة الميران( الميهران) الكوجرية الكردية حيث كانت المناطق الجنوبية من سهل نصيبين مسرحاً لهذه المعارك والتي دارت رحاها قرب قرية حلكو الحالية جنوبي مدينة القامشلي لذا دُعيت بموقعة حلكو حيث كان إبراهيم باشا يعسكر بجيشه في القرية بينما خصومه كانوا يعسكرون في مواجهته بالقرب من قرية (زندا) الحالية, وكانت هناك مساع حميدة تبذل من قبل بعض فاعلي الخير لفك الاشتباك  بين الطرفين والعمل على انسحاب الجيشين مسافة كافية إلى الخلف, وبالفعل تم الموافقة على هذه المساعي المقدمة.

وتشكلت لجنة واقترحت عليها:

- ضرورة عقد اجتماع بين الطرفين في المنطقة الواقعة جنوبي خيمة الباشا.

- أن يكون الباشا صاحب القرار الأول والأخير في هذا الاجتماع.

وكان المدعو( عبدي آغا)  زعيم عشيرة الآليان الكردية المتحالفة مع الشمر أحد المعنيين بهذا الأمر.

- بعد التداول بهذا الأمر والتي استغرقت وقتاً طويلاً خاطب شيخ الطي الباشا قائلاً:

إيه أيها الباشا  تكلم  ماذا تريد؟. فصرخ الباشا بصوت عال قائلاً: نعم سأتكلم إذا وعدتموني بموافقتكم على ما سأقترحه عليكم !

ردّ شيخ عشيرة الطي قائلاً: وهل من أحد لا يوافق على ما تقوله؟ تكلم!

تكلم الباشا قائلاً: أيها الزعماء وشيوخ العشائر كلنا نعلم بأن شيوخ الطي هم زعماء الجزيرة كابر عن كابر, وإن مراعي الجزيرة تمتد على منطقة نصيبين وسهولها الواسعة,  وما أريده من الطي أن يرحلوا الليلة إلى شمال نصيبين، وكذلك الجبور فمركزهم قرية ( تل طابان)

أريدهم أن يرحلوا الليلة إليها ليحطوا رحالهم على تلالهم وحماهم.

أما عائلة محمد فأفرادها- منذ القدم-  متآخين مع الملان وأريدهم أن يرحلوا الليلة ويختلطوا مع خيام الملان.

هنا أنهى الباشا كلامه دون أن يذكر عائلة ( العاصي) ثمّ لزم الصمت وكان زعيم العواصي حاضراً, فانتفض واقفاً يصرخ بصوت عال يسأل الباشا بقوله: حلمك أيها الباشا، أراك قد أهملتنا ولم تسحبنا إلى الميدان، فما هو السبب يا ترى؟

ردّ عليه الباشا:  أنتم لستم من سكان الجزيرة أنتم عراقيون وعليكم أن تشدوا الرحال الآن إلى العراق.

ردّ عليه العاصي قائلاً: أيها الباشا كيف تقول بأننا لسنا من سكان الجزيرة؟  ولدينا( قواجين) سندات تمليك بملكية أراضي قرية حلكو, ردّ عليه الباشا قائلاً: لابأس سأنظر في قواجينكم غداً لأكون على بينة من صحة كلامك.

عندها تكلم شيخ الطي وقال: إي والله خوش حجي( كلام)  كلنا راضين بهذا الشرط وما قلته أيها الباشا لن يرفضه أحد منا.

عندئذ توجه إبراهيم باشا نحو عبد الكريم بك وقال غاضباً: يا بن الأخ هؤلاء الرجال جاؤوا لمحاربتي لإهانة الكرد وإذلالهم أما أنت فما الذي دعاك لمحاربة عمك؟  فلم ينبس عبد الكريم ببنت  شفة.

تابع الباشا كلامه مخاطباً إياه: والله أستطيع قطع أذنيك لكن خشيتي من أن يقول الناس: إن إبراهيم باشا عجز عن أعدائه فتجاسر على قطع أذني رجل كردي, فلم يتكلم عبد الكريم بك ولزم الصمت.

تابع عبدي آغا القول: اجتمعنا في خيمة العاصي لبحث ما توصّل إليه الاجتماع حيث قال لنا الهادي بالحرف.

قوموا هدوا خيامكم , وارحلوا الساعة فوالله لو استيقظ الباشا وشاهدنا ونحن على أوضاعنا وعلم ما نحن فيه لما ترك واحداً منا فقد أفلح الرجل من سرقة حلفائنا منا فهم لن يحاربوا منذ الساعة  إلى جانبنا.

 ويتابع عبدي آغا كلامه قائلاً:  في الحقيقة كان كلام الهادي في محله حيث بدأ الطي يرحلون في نفس الليلة إلى الشمال ورحل محمد بن عبد الكريم حاطاً رحاله بين الملان وأصبح حليفاً للباشا. والجبور أيضاً رحلوا إلى ضفاف الخابور بينما بقينا - نحن السبعون- فارساً كردياً مع هادي العاصي.

وفي منتصف الليل- بينما كنا نستعد للرحيل-  فوجئنا بهجوم رجال الباشا علينا فقمنا بالهرب ممتطين الجمال بعضها محملة والأخرى غير محملة هائمين على وجوهنا في البراري والفلوات, فتعقبنا فرسان الباشا وعملوا فينا الويلات من قتل وسلب ونهب بينما كان الهادي يزأر كالأسد الجريح يدافع عن العرض والمال على ظهر جواده السريع وعندما كان يكر على فرسان الباشا ويهاجمهم كانوا يتشتتون أمام هجومه ولكنهم سرعان ما كانوا يعودون ويطبقون عليه كالسيل الجارف.

 وفي وسط المعمعة التفت علينا الهادي صائحاً: أيها الرجال الأشاوس إن تمكنتم من حماية قطيع النوق البيض كأنما أعدتم لنا جميع ما سلب منا دفاعاً لا مثيل له كان يكر على الفرسان ويهاجمهم بضراوة, كانوا يتشتتون أمامه جماعات ووحداناً لكن سرعان ما كانوا يطبقون عليه كالسيل الجارف ويهاجمون رجالنا وأموالنا, وفي وسط هذه المعمعة التفت إلينا الهادي مرة أخرى صائحاً: أيها الفرسان الأشاوس إذا تمكنتم من حماية قطيع النوق البيض فكأنما أعدتم لنا جميع ما سلب منا من أموال وغنائم حيث كان الألم يعتصر قلب الهادي وهو يرى قطيع النوق البيض كبياض الثلج وهي تفر  مولية الأدبار باتجاه فرسان الباشا هائجة مذعورة من الحرب كانت هذه النوق مخصصة لركوب نساء وفتيات أسرة شيخ الشمر كانت عزيزة على قلب الشيخ هادي العاصي.

فلبينا دعوة الشيخ- نحن السبعون من فرسان الكرد-  وقمنا بتعقب النوق البيض لكن مع الأسف الشديد لم نتمكن من استردادها من أيدي فرسان الباشا.

عندئذ التفت إلينا الشيخ هادي قائلاً: اتركوها فإن نجمة هذا الرجل لمعت في السماء, فوالله كلنا محظوظون لخلاصنا من القتل المحتم بسيقان جيادنا السريعة.

فتركنا النوق البيض, وبدأنا نتراجع خلفاً هاربين من الباشا وفرسانه نحو قرية  (ديرون )  محتمين بالمرتفعات الأرضية حتى لا يطالنا فرسان الباشا, ويمسكوننا باليد وقرب قرية ديرون رأى الشيخ محمد أخته وسط جموع نساء المقاتلين وهي تلطم خديها تبكي وتقول: واويلاه يامحمد! وفي عرف العشيرة تعتبر هذه إهانة كبرى لشيخ الشمر ولسمعته وكرامته لذلك جرّد الشيخ محمد سيفه وهجم على أخته يريد قتلها, ولكن منعه الباشا وهو يقول لفرسانه: تراجعوا.. تراجعوا كفى لقد هزمنا الشمر وليكن ما تبقى فداء لمحمد, فلم نبقي لهم حتى البسط ليجلسوا عليها.

يتابع عبدي آغا كلامه قائلاً:  بهذا الشكل ارتبكت صفوفنا وضعُفتْ قوانا ودخلنا الأراضي العراقية  مدحورين مهزومين, وتراجع إبراهيم باشا مع فرسانه إلى مواقعهم ولم يتعقبوننا.

معارك إبراهيم باشا مع  الأتراك الأحرار:

بعد ضغط الأتراك الأحرار على السلطان الدموي الرجعي المتخلف عبد الحميد الثاني استنجد ببعض باشوات كردستان أمثال: إبراهيم باشا وسيف الدين باشا ومصطفى باشا وكور حسين باشا ومن بين هؤلاء جميعاً كان السلطان يثق بإبراهيم باشا, وبالفعل كان إبراهيم باشا عند حسن ظنه حيث أراد أن يسير من دمشق إلى الأستانة عن طريق البحر الأبيض المتوسط لإنقاذ السلطان وخليفة المسلمين من محنته.

لكن لم يتسن له تحقيق ذلك, فقبل أن يتحرك من دمشق اعتقل الأتراك الأحرار المطالبين بالدستور السلطان وأودعوه السجن,  كادوا أن يعتقلوا إبراهيم باشا في دمشق أيضاً لولا مساعدة عبد الرحمن باشا الكردي حيث أخذه إلى بيته  وأخبره بما حدث للباشا وما يدبرون له أيضاً, فسارع الباشا بإخراج جنوده من دمشق ليلاً متوجهين نحو الجزيرة وبدأوا بنهب وسلب القرى التي مروا بها, فخرجت الجيوش التركية من حلب وماردين والرقة والموصل تعقباً للباشا حيث دارت معارك ضارية بين الطرفين إلى أن تمكن الباشا ورجاله من اجتياز نهر الفرات ووصلوا بعد عناء شاق إلى عاصمتهم ويران شهر بعد أن غُرق أحد فرسانه في نهر الفرات.

لم يستطيع الباشا البقاء في ويران شهر فأضطر إلى مغادرتها متوجهاً إلى جبل سنجار فاعترضتهم عشيرة الشمر ومنعتهم من الوصول إلى حيث أرادوا, فاضطر الباشا وعساكره أن يخيموا في قرية (صفيا ).

 وبدأ يعد العدة لمحاربة الشمر وكان الباشا يخشى الشمر أكثر من خشيته من الجيش التركي ولكن ومع الأسف الشديد-  توفي  في قرية صفيا وقبل وفاته جمع أولاده وقال لهم: الشمر يعترضون طريقكم وأنتم محاطون بجنود الأتراك وأنا في طريقي إلى جوار ربي.

بجب ألّا تكشفوا موتي لأحد بل عجلوا بالذهاب إلى نصيبين وسلموا أنفسكم  للجيش التركي فالأتراك على الأقل لن يقوموا بقتلكم  لربما يقوموا بتعذيبكم  أو اعتقالكم. والله كريم والزمن طويل ولابدّ أن يأتي الفرج يوماً ما وترجعون إلى أهليكم وعشيرتكم ثمّ فارق الحياة فدفنه أولاده في تل بيزارة.

ثم تمكنوا من الوصول إلى نصيبين وسلموا أنفسهم للسلطات التركية كما أوصاهم والدهم الباشا  قبل أن يعلم الشمر بما جرى لهم.

في نصيبين سجن بعضهم ونفي بعضهم الآخر.

لقد مات الباشا الكردي الكبير والمحارب الذائع الصيت ولم يتمكن من العودة إلى عشيرته وبموته انتهت الإمارة الملية ولم تعد لها قائمة بعد.

ومنذ ذلك الوقت لم يسمح الأتراك لأولاده بالدخول إلى كردستان تركيا والعودة إلى ديارهم وعاصمتهم ويران شهر.

بعد اندلاع ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م هرب الكثيرون من أولاده والتجأوا إلى سورية واستقروا في مدينة رأس العين وامتلكوا فيها حقولاً وأراضي زراعية.

تم الاستيلاء على معظم أراضيهم من قبل سلطات البعث بموجب  قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدروه.

والآن يقضون حياتهم كمواطنين عاديين.

المصادر:

تاريخ كردستان جكر خوين الجزء الثاني

كتاب تاريخ جودت صفحة 340 القسم الخامس.

تاريخ الكرد وكردستان محمد أمين زكي

 

تاريخ الملان الباشوات - محمد صالح إبراهيم Reviewed by Yekîtiya Nivîskarên Kurdistana Sûriya on أغسطس 10, 2026 Rating: 5 تاريخ الملان الباشوات  محمد صالح ابراهيم سأسرد للسادة القرّاء تاريخ وحكم ملان الباشوات في ويران شهر تنقسم العشيرة الكردية الكبيرة (الملا...
Next
This is the most recent post
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات: