الأطفالُ الكُرد واللُّغة الأم - اتحاد كتاب كوردستان

728x90 AdSpace

شائع
الأربعاء، 12 أغسطس 2026

الأطفالُ الكُرد واللُّغة الأم

 

الأطفالُ الكُرد واللُّغة الأم

عبد المجيد إبراهيم قاسم

 


تنتمي اللغة الكردية إلى مجموعة اللغات الهندية الأوروبية، وتتألف من عدّة لهجات تتوزع في مناطق جغرافية مختلفة، ولم يتفق الدارسون لهذه اللهجات على تسمية الرئيسة منها، وتحديد المجموعات التابعة لكلٍّ منها، إلا أن أغلبهم يحددون الرئيسة بالآتي: اللهجة «الكرمانجية الشمالية» التي يتحدّث بها أكثر من نصف الشعب الكردي، واللهجة «الكرمانجية الجنوبية ـ السورانية»، واللهجة اللورية، واللهجة الكورانية، التي تلحق بها كلٌّ من الهورامانية، لهجة سكان أردلان في إيران، والباجلانية والزازائية التي يتحدّث بها سكان المنطقة الجبلية في كردستان الشمالية.

ولعلّ أهم الأسباب وراء ضعف تطوّر اللغة الكردية، وتوزعها بين عدّة لهجات: تقسيم بلاد الكرد جغرافياً وسياسياً، ومحاربة لغتهم بشدّة من قبل الحكومات المتعاقبة، ناهيكم عن ضعف المؤسسات الثقافية الكردية، وعدم وجود مرجعية أكاديمية تعمل للحفاظ على اللغة الكردية وتوحيد لهجاتها. أما الحروف التي تُكتب بها اللغة الكردية فهي، بالعموم: الأحرف اللاتينية في تركيا وسوريا، والأحرف العربية في إيران والعراق بشكل نسبي، والحروف الروسية بالنسبة للكرد في الاتحاد السوفيتي سابقاً.

اللغةُ الكردية لغةٌ نابضة بالحياة، استطاعت عبر مئات السنين الحفاظ على الكثير من مفرداتها وأساليبها وقدرتها على التعبير، كما أنها تمتاز بالمرونة والحيوية والتجدّد والمقدرة على استيعاب معطيات العصر، والتعبير عن المخترعات الحديثة. يقول المستشرق «پول بندر» عن اللغة الكردية إنها لغةٌ(1): «رشيقة، متناسقة النبرات، بسيطة صريحة، غنيّة متنوّعة، يسهل تعلمها، تمتلك النفوس برقّتها، والأمثال فيها بديعة وكثيرة التداول، فهي أساس جميع المحادثات ومحورها، واللغة الكردية لا تقل بلاغةً عنها فلسفة، وهي لغة شعرية، والشعر فيها يشمل جميع الفروع ويتناول الطبيعة كلها».

إصدارات كردية اهتمت بتعليم الأطفال لغتهم الأم

إنَّ اللغة، كما هي مكوّن أساسي من مكوّنات الثقافة لأيِّ شعب من الشعوب في العالم، فهي وسيلة هامة يستطيع الطفل التعبير بها عن نفسه بكل شفافية، ويتعرّف من خلالها على هويته وتاريخه وتراثه القومي.

ومن الإصدارات التي اهتمت بتعليم الأطفال الكرد لغتهم الأم: القاموس الشعري لرائد مدرسة الشعر الكلاسيكي الكردي أحمد خاني، الموسوم بـ(Nû Buhar/ الربيع الجديد) للصغار عام (1682م)، وهو أقدم وأهم أثر تعليمي لغوي موجَّه للأطفال الكرد.

وفي العصر الحديث، وتحديداً في الثلاثينيات وبداية الأربعينيات من القرن المنصرم، وضعت بعض المجلات الكردية أساساً متيناً للغة الكردية، وأسهمت في الحفاظ عليها وتطويرها والارتقاء بها، وأهمها مجلات: (Hawar: الصرخة، Ronahî: الضياء، Roja Nû: اليوم الجديد)، التي كانت تصدر في دمشق وبيروت.

يقول الأديب دلاور زنكي(2): «اعتُبرت مجلتا هاوار وروناهي حاضنةً للغة الكردية، وحافظتا على اللغة الأدبية الراقية الخالية من الشوائب، ولعبت المجلتان دوراً كبيراً في نشر اللغة الكردية بالأحرف اللاتينية، وخاصة في استنباط المفردات الجديدة واشتقاقها، وانتشرتا في جميع المناطق الكردية في سوريا وخارجها، وقد تناولتا موضوعات شتى، كالعادات والتقاليد والأغاني والأمثال والقصص واللغة والشعر».

وأصدر بعض الكتّاب والأدباء الكرد كتباً تعليمية خاصة بالأطفال، مثل: (Kitaba Sînem-Xan: كتاب سينم خان) في قواعد اللغة الكردية للأطفال، للأديب الكبير «جلادت عالي بدرخان»، وكتاباً عن قواعد اللغة الكردية للأطفال للروائي باڤي نازي عام (1996م)، كما أصدر الأديب بهرام يونس سلسلة كتب تعليمية ملوّنة للأطفال بعنوان: (Zimanê min: لغتي)(3)، وألّف لهم قصصاً تعليمية ملوّنة أيضاً بصياغة شعرية، مع رسومات الفنان زبير يوسف.

من أساليب تنمية اللُّغة الكرديّة

من أهم مشكلات اللغة الكردية، والمتعلقة بتداولها وتعليمها للأطفال، صدمتهم باللغة المختلفة عمّا اعتادوا عليه في البيت والشارع عند دخولهم المدرسة، ثم الاضطرار إلى متابعة التعليم بها فيما بعد. إلا أن هذا الوضع تغيَّر خلال العقد الماضي، وأصبح بإمكانهم التعلّم بلغتهم الأم.

يقول المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل(4): «من أهم أشكال معاناة الطفل الكردي اصطدامه بالواقع عبر التعامل مع اللغة الجديدة أثناء دخوله المدرسة، وما يشعر به من مشاعر الاغتراب تجاه لغته، والتي ستقتصر في نظره على مجرد حكي البيت والشارع، وستعزّزها أحاسيس أخرى مماثلة، تُجذّر حالة الدونية في نفسه، حتى تُثمر وعياً وسلوكاً، كالرهبة من لغة الآخر التي لا تُقهر، والافتتان بعاداته ومظاهر حياته».

ومن أهم الأساليب لتنمية اللغة الكردية وتطويرها:

1. العمل على تعليمها لأطفالنا، وغرس الاعتزاز بها في نفوسهم، وإكسابهم الثقة بها؛ لينشؤوا مفطورين على حبّها، معتزّين بالانتماء إليها.

2. مساعدتهم على تخطي مشاعر عدم الثقة التي يواجهونها نتيجة اقتصار تداول لغتهم الأم على البيت والشارع.

3. إدراك الوالدين لدورهما الحقيقي، إذ إنهما الأقدران على تعليمهم اللغة وتنمية قدراتهم التعبيرية، بل هما مصدر كل تربية سليمة يتأثَّر بها الطفل.

4. تضافر جهود الأطراف في بيئتهم المحيطة: الأسرة أولاً، ثم وسائل الإعلام، وباقي المؤسسات الثقافية والاجتماعية الكردية المختصّة بشؤون الطفولة.

5. الاهتمام بتقديم نماذج أدبية مترجمة، إذ يتمتّع كل مجتمع من المجتمعات بسمات متفرِّدة، إلا أن الإطار الإنساني المتكامل هو ما يحكم الجنس البشري في النهاية، فللترجمة دورها الهام في إثراء الحياة الثقافية للشعوب، والتقارب بين المجتمعات البشرية.

6. ترجمة الدراسات والنتاجات الإبداعية المميّزة في أدب الطفل، وتشجيع الأطفال عليها، لأنها تُتيح الاطلاع على تجارب مختلفة ذات مضامين إنسانية عميقة. ولعل أهم شروط ترجمة الأعمال الأدبية للأطفال: اختيار الأعمال الجيدة والجديدة التي تناسب حاجات أطفالنا وبيئاتهم، ثم مراعاة إلمام المترجم بالكتابة للأطفال واهتمامه بالنواحي الفنية في الكتابة. لكن حركة الترجمة، للأسف، شبه معدومة في مجال أدب الأطفال كردياً، مما يعزّز أهمية ترجمة النصوص الأدبية التي تمتلك المقومات الحقيقية لأدب الأطفال.

7. من واجبات المثقفين والأدباء والباحثين واللغويين العمل باستمرار من أجل تطوير اللغة الكردية، والدعوة إلى تشكيل «مجلس خبراء وباحثين» بهدف وضع قاموس لغوي شامل للمصطلحات والمفردات الكردية، ومراعاة تكييفها في المجالات الإنسانية المختلفة.

إنَّ اللُّغة هي كيان الأمم ووعاء حضارتها، وإحدى المقومات الأساسية لوجودها وديمومتها، لذلك فإن الأمة العظيمة هي الأمة التي تعتزّ بلغتها الأم وتتمسّك بها، وتعدّها وسيلة تميّزها بين الأمم، وتدرك دورها في الحفاظ على هُويّتها وثقافتها، وبالوقت نفسه تدرك أهميتها في حياة أطفالها وبناء شخصياتهم، فتدفع إلى الاهتمام بتعليمها وغرس الاعتزاز بها في نفوسهم.

وقد كتب الأمير جلادت عالي بدرخان في الذكرى السنوية الأولى لصدور مجلة هاوار، في العدد (20) عام (1933م)، يقول(5): «يجب أن نعلم أن اللغة هي عنصر من عناصر وجودنا، فبدونها لا يمكننا العيش مع الآخرين كشعب حرّ يتميَّز بالعزّة والفخار، وبديهي أن كل شعب هو هكذا في موقفه تجاه لغته.. إنَّ الشعب المُستعمَر الذي لم ينسَ لغته، هو مثل الأسير في الزنزانة ومفاتيحها معه، يستطيع الخروج يوم يريد، خلافاً للذي ينسى لغته».

هوامش:

1)   الاجرومية الكردية 1922، من مقدَّمة كتاب: الأدب الشفاهي الكُردي (دراسة)، الجزء الأول، علي الجزيري، الطبعة الأولى/2000، كاوا للثقافة الكردية، بيروت، لبنان، ص 12. 

2)   مقاله: بداية نشوء الجمعيات والحركات الثقافية الكردية في سوريا.. صفحات مجهولة.

3)   (Sor Gul/ الوردة الحمراء) مجلة صدرت في سوريا باللغة الكردية، العدد 23 تاريخ: شباط/ فبراير 2001. 

4)   الطفل الكردي بين التدجين والتهميش، المثقف التقدّمي، مجلة تعنى بشؤون الفكر والسياسة، العدد 17 حزيران/ يونيو 1999، ص 39.

5)   القصة الكردية في سوريا، "شهادات ونصوص"، خورشيد أحمد، دار بعل، دمشق 2008، ص 54.

الأطفالُ الكُرد واللُّغة الأم Reviewed by Yekîtiya Nivîskarên Kurdistana Sûriya on أغسطس 12, 2026 Rating: 5   الأطفالُ الكُرد واللُّغة الأم عبد المجيد إبراهيم قاسم   تنتمي اللغة الكردية إلى مجموعة اللغات الهندية الأوروبية، وتتألف من عدّة لهجا...

ليست هناك تعليقات: